كلما تعثّرت البلاد، نعود إلى الخزانة القديمة لنستخرج منها تلك البدلة المهترئة التي أُفرط في لبسها: العدو الداخلي. ذاك الكائن الشبحي الذي لا نراه، ولا نسمعه، ولا نعرف له وجهًا ولا ملامح، لكننا نُطالَب بتصديقه، والتوجّس منه، وربما التبليغ عنه.
إنه موجود دائمًا، يندسّ في الإدارات، يتخفّى في المدارس، يتآمر من داخل النقابات، ويشتري القهوة من نفس المقهى دون أن يرفّ له جفن. رجل أو امرأة، شاب أو كهل، يطالب بحقوقه بإلحاح، يطرح أسئلة محرجة، أو ببساطة… لا يصفّق بالقدر الكافي.
يا له من عدوٍ مريح! بوجوده، لا حاجة للاعتراف بالفشل، ولا مجال للنقد الذاتي، ولا ضرورة لوضع إصلاحات جذرية. المطلوب فقط خطاب صارم، وقائمة تطهير، وتدوينة رسمية تُطمئن الناس: «لا تقلقوا، الأمور تحت السيطرة… فقط تخلّصوا من الخونة».
لكن لحظة… من هو هذا العدو تحديدًا؟
هل هو الجائع الذي طالب بعمل كريم؟
هل هو القاضي الذي تمسّك باستقلاليته؟
هل هو الصحفي الذي طرح سؤالًا يزعجكم؟
أم هو المعلّم الذي لم يجد طبشورًا فكتب على الحائط؟
الحقيقة أنّ العدو الحقيقي ليس هذا المواطن أو ذاك. العدو الحقيقي هو فكرة العدو الداخلي نفسها؛ تلك الحاجة المزمنة إلى شماعة نعلّق عليها فشلنا، والهوس بتحويل النقد إلى خيانة، والاختلاف إلى تهديد، والتفكير الحر إلى مؤامرة.
العدو الداخلي ليس شخصًا، بل مرآة مكسورة: نرى فيها خوفنا من مواجهة الذات. نرى فيها عجزنا عن الاعتراف بأن المشكلة في قراراتنا، في سياساتنا، في صمتنا الذي طال، لا في “خيانة” الآخرين.
أما العدو الحقيقي؟
فهو الفقر الذي نخجل من تسميته،
البطالة التي نحصيها بأرقام باردة كل سنة،
المدرسة التي فقدت معلمها، والمستشفى الذي فقد روحه،
والدولة التي فقدت ثقة الناس… وتبحث عنها في مطاردة الأشباح.
فلنقلها بوضوح:
إذا كنتم تبحثون عن العدو، فلا تُرهقوا أنفسكم كثيرًا.
يكفي أن تنظروا في المرآة.
فالعدو، كل العدو، يسكن في خياراتكم، في إدارتكم للأزمات، وفي عجزكم عن الإصغاء لصرخات الناس.
فلنكن شجعانًا لمرة واحدة، ولنبدأ بمواجهة أنفسنا… قبل أن نبدأ مطاردة العدو الذي اخترعناه.
Laisser un commentaire