اللايقين الهوياتي: قوة لا ضعف

كثيرون يتباهون بهويتهم ويدافعون عنها بشراسة، لكن السؤال الجوهري هو: من الذي حدد هذه الهوية ؟ هل هو التاريخ ؟ المجتمع؟ العائلة ؟ أم أن الفرد هو من اختار أن يكون كما هو؟ في الحقيقة، الهوية ليست كياناً نهائياً أو ثابتاً، بل هي بناء متحوّل يتشكّل ويُعاد تشكيله باستمرار من خلال التجارب والخطابات والعلاقات.

إن اللايقين الهوياتي لا ينبغي اعتباره ضعفاً، بل هو طاقة كامنة تسمح للفرد بأن يعيد التفكير في نفسه ويواصل تشكّله.

. فهم الهوية: مسار نحو التحول الذاتي

إن غياب تعريف واضح لهويتنا لا يجب أن يُنظر إليه كعائق أمام النمو الشخصي. بل على العكس، إنه يكشف عن حقيقة جوهرية: الهوية ليست جوهراً ثابتاً، بل تُبنى من خلال علاقاتنا مع الآخرين. وهذه الرؤية تتوافق مع الفلسفة الوجودية لجان بول سارتر، الذي قال:

«الوجود يسبق الماهية».

نحن لا نولد بهوية جاهزة، بل نصنعها من خلال اختياراتنا، تجاربنا، وتفاعلاتنا مع محيطنا.

. أهمية الآخر في تشكّل الذات

الوعي بالذات ينبثق غالباً من خلال إدراك الآخر. عندما نقول:
«أنا لست أنت»، فنحن لا ننكر الآخر، بل نؤكد فرادتنا.

يقول إيمانويل ليفيناس:
«وجه الآخر يدعوني إلى تحمّل المسؤولية».

أما جاك لاكان، فيشير إلى أن:
«الجماعة ليست سوى انعكاس للذات الفردية»، وهو ما يدل على أن المجتمع لا يوجد في ذاته، بل يتكوّن من خلال الأفراد الذين يبنونه ويتفاعلون معه.

. الذات في التحليل النفسي اللاكاني

في نظر لاكان، « الأنا » هو مجرد صورة ثابتة للذات، لكنه لا يُعبّر عنها بشكل كامل. الذات الحقيقية هي ذات مجزأة، تخضع لرغبات لاواعية، وتبحث باستمرار عن المعنى. إنها تتشكّل عبر اللغة، والرموز، والتفاعلات الاجتماعية، وهي غير مكتملة بطبيعتها.

. الجماعة كإسقاط نفسي للفرد

يرى لاكان أن الجماعة – سواء كانت مجتمعاً أو مؤسسة – ليست كياناً مستقلاً، بل هي إسقاط نفسي نابع من الأفراد. فالفرد، بما يحمله من رغبات ومخاوف وخيالات، يشارك في بناء الجماعة واستمراريتها.

من هنا:
– المعايير والقوانين لا تُفرض من الخارج فقط، بل يُعيد الأفراد تمثّلها وتفسيرها داخلياً.
– الهويات الجماعية تدوم لأن الأفراد يتماهَون معها أو يعارضونها.

. اللغة كوسيط أساسي

بالنسبة للاكان، اللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل هي البنية الأساسية التي تتشكّل من خلالها الذات، وهي في الوقت ذاته نسيج الجماعة. فالمجتمع لا يوجد إلا عبر التواصل الرمزي بين الأفراد، وكل فرد يشارك في تشكيل الخطاب الجماعي، الذي بدوره يؤثر على السلوكيات والمعتقدات.

. جدلية الفرد والمجتمع

من الخطأ اعتبار الفرد مجرد منتج سلبي للمجتمع. في التحليل النفسي اللاكاني، هناك جدلية دائمة بين الفرد والجماعة:
– الفرد يُعيد تشكيل الجماعة من خلال رغباته وأفعاله، حتى وإن لم يكن واعياً بذلك.
– بالمقابل، تفرض الجماعة على الفرد قيوداً، ومعايير، ودلالات، عليه أن يتفاعل معها: بالقبول أو بالرفض أو بالتفاوض.

. نقد وهم الكيان الجمعي المستقل

الفكرة القائلة إن « الجماعة ليست سوى انعكاس للذات الفردية » تقوّض الرؤية الجوهرانية التي ترى في المجتمع كياناً قائماً بذاته. فالجماعة، وفق هذا التصور، لا وجود لها خارج مجموع التفاعلات الفردية. إنها بناء رمزي دائم الحركة يعكس حالات الأفراد النفسية وتفاعلاتهم.

لا ينبغي النظر إلى المجتمع كسلطة خارجية تعلو على الفرد، بل كبناء رمزي نصنعه نحن، ونُعيد صياغته باستمرار.

. الاختلاف كمصدر قوة

القول: «أنا لست أنت» يحمل بُعداً آخر يتجاوز مجرد التأكيد على الفرادة، إنه أيضاً رفض للتصنيفات الاجتماعية الجامدة – كالجنس، الطبقة، أو الوضع الاجتماعي.

في هذا السياق، تصبح عبارة «أنا لست مجرد مقارنة بك» موقفاً وجودياً ومقاوماً في آن: رفضٌ للقولبة والاختزال.

. إعادة تعريف الهوية: عملية ديناميكية

عدم امتلاكنا لتعريف نهائي لهويتنا لا يعني أننا تائهون، بل يدل على أن الهوية عملية متغيرة باستمرار، تتشكّل من خلال التجربة والعلاقة بالآخر. هذا المفهوم يتوافق مع مقولة سارتر الشهيرة:

«الوجود يسبق الماهية».

فنحن لا نولد بهوية، بل نكتسبها من خلال الخيارات والتجارب والتفاعلات المتواصلة.

. الهوية المتحركة: منظور لاكاني معاصر

تتوافق هذه الرؤية مع التحليل النفسي اللاكاني، الذي يرى أن الإنسان في بحث دائم عن ذاته، ويتأرجح بين صورته الواعية وذاته اللاواعية. الهوية، بهذا المعنى، ليست وحدة مغلقة، بل تعددية، مرنة، ومتحوّلة.

. الشيطنة الإعلامية لليسار الراديكالي

في السياق الفرنسي المعاصر، أدّت خطابات الشعبوية والقومية إلى تهميش التيارات اليسارية الراديكالية، التي تُقدَّم في الإعلام كتهديد للاستقرار. هذه الدينامية تُذكّر بأساليب الشيطنة القديمة التي مورست ضد الحركات الثورية في فترات تاريخية سابقة.

. وصم المسلمين والفلسطينيين

صعود الخطاب المعادي للمسلمين ودمج الإسلام بالإرهاب ساهم في إعادة إنتاج تصوّرات عنصرية قديمة، مشابهة لما تعرض له اليهود سابقاً. المسلمون، شأنهم شأن الفلسطينيين، أصبحوا أهدافاً سهلة لخطابات تبحث عن عدو مشترك يُوَحِّد الجماعة عبر الإقصاء، وهو ما يؤدي إلى:
– تأجيج التوترات الاجتماعية،
– تغذية خطاب الخوف والكراهية،
– واستبدال الحوار بالتوجس والعنف الرمزي.

. الآثار السوسيولوجية والسياسية للوصم

هذا الوصم لا يؤثر فقط على الأفراد أو الجماعات المستهدَفة، بل يفكّك النسيج الاجتماعي ككل. فاليسار الراديكالي، على سبيل المثال، يُختزل في شعارات سطحية، بينما تُقمع النضالات الحقيقية من أجل العدالة الاجتماعية والمساواة. تُستخدم الهوية كسلاح لإخفاء المشكلات الحقيقية: كالفقر، والتهميش، وتزايد التفاوتات الاجتماعية.

. نحو شمولية أصيلة: بناء بديل رمزي

لتجاوز هذه التصدعات، علينا إعادة صياغة السرديات العامة، بالاعتماد على تجارب واقعية ومواقف أصيلة. وذلك عبر:
– تعزيز الرؤية الجماعية التي تتجاوز الانقسامات الهوياتية،
– الانخراط في حوار ثقافي وإنساني مفتوح،
– وإعادة الاعتبار لفكرة التضامن الحقيقي بوصفها الطريق نحو مستقبل مشترك.

. دعوة للتسامح والتعدد

في النهاية، نحتاج إلى احتضان التنوع بوصفه غنىً لا تهديداً. الاعتراف بأننا لا نمتلك أجوبة نهائية حول أنفسنا، يقترن بواجب احترام اختلافات الآخرين.

«لا أعرف من أكون، لكنني أعلم أنني لست أنت»، عبارة تلخّص جوهر الرحلة الإنسانية في البحث عن الذات.

Laisser un commentaire

Comments (

0

)