لأكثر من ثلاثة عقود، لم يكفّ رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو عن التلويح بشبح السلاح النووي الإيراني، مستخدمًا هذه الرواية المفبركة ذريعة لتأجيج التوترات الإقليمية، وتبرير اعتداءات عسكرية متكرّرة، وفرض واقع سياسي يخدم بقاءه الشخصي في الحكم، ويعزّز الهيمنة الإسرائيلية، ويؤمّن دعمًا غربيًا غير مشروط، خصوصًا من الولايات المتحدة.
لكن الأخطر أن هذه الأكذوبة المزمنة دفعت واشنطن، تحت ضغط دوائر اليمين المتطرف، إلى مغامرات عسكرية متهوّرة باتت تهدّد الأمن الإقليمي والاستقرار العالمي.
أسطوانة مكرّرة: إيران دائمًا على بُعد «أشهر»
منذ ظهوره أمام الكونغرس الأميركي عام 1996، يردّد نتنياهو نبوءته الكاذبة بأن إيران لا تبعد سوى “أشهر قليلة” عن صنع القنبلة النووية. ورغم مرور العقود، لم تثبت الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) ولا أجهزة الاستخبارات الغربية أي دليل على اتخاذ طهران قرارًا بتطوير سلاح نووي.
حتى كبار المسؤولين الأميركيين، كجيمس كلابر وجون برينان، أكدوا أن إيران لا تصنع قنبلة، ولا تخطّط لذلك في الأمد القريب.
لكن نتنياهو لم يتراجع، بل ضاعف من أدوات الإثارة:
• في 2012، قدّم رسمًا كاريكاتوريًا لقنبلة أمام الأمم المتحدة.
• في 2015، وصف الاتفاق النووي بـ”الخطأ التاريخي”.
• واليوم، يعيد الأسطوانة ذاتها لتبرير تصعيد جديد ضد طهران.
الهروب إلى الأمام: تصعيد بدل المساءلة
ما يقدّمه نتنياهو ليس خطابًا أمنيًا، بل استراتيجية هروب ممنهجة:
• شيطنة إيران لحرف الأنظار عن جرائم الحرب في غزة.
• ترويج إسرائيل كـ”حصن متقدّم” في معركة حضارية زائفة.
• استرضاء التيارات اليمينية في واشنطن لضمان الاستمرارية السياسية.
• إبقاء المنطقة في حالة استنزاف دائم تُفشل أي مسار تفاوضي قد يُطيح بسلطته أو يُخضعه للمحاسبة.
من بغداد إلى طهران: إعادة إنتاج الكذبة
ما يفعله نتنياهو اليوم يذكّرنا بكولن باول عام 2003، عندما زوّر الأدلة لتبرير غزو العراق. الفرق أن نتنياهو يروّج لـ”الخطر الإيراني” من أجل:
• دفع الغرب للتدخل أو التواطؤ بالصمت إزاء الغارات الإسرائيلية.
• استمرار عزل طهران سياسيًا واقتصاديًا.
• خلق شعور زائف بالإجماع داخل المجتمع الإسرائيلي حول “تهديد وجودي”.
لكن إيران ليست العراق، والعالم لم يعد كما كان. الأكاذيب القديمة لم تعد تمرّ بسهولة. ورغم ذلك، تواصل واشنطن—خصوصًا تحت تأثير التيار الترامبي—تقديم الدعم العسكري غير المشروط، وتزويد إسرائيل بأسلحة خارقة، بينما تغض الطرف عن المجازر في غزة.
زعيم يعيش على الخوف: نتنياهو وصناعة العدو
نتنياهو لا يمارس السياسة كرجل دولة، بل كزعيم يعتاش على إنتاج الأعداء. خطابه متشبع بهواجس فناء وهمية، ويستنسخ النماذج الشعبوية الغربية: من ترامب إلى بولسونارو. تهديد خارجي دائم يبرّر القمع الداخلي ويبرئ المستبد من الحساب.
منذ 7 أكتوبر 2023، فتح جبهات متعددة: غزة، لبنان، سوريا، إيران. هذا التصعيد لم يكن اضطرارًا، بل خيارًا مدروسًا للهروب من قضايا الفساد والمساءلة الجنائية، داخليًا ودوليًا.
ازدواجية فاضحة وتواطؤ غربي مخزٍ
رغم هشاشة الرواية الإسرائيلية، يتواطأ القادة الأوروبيون بالصمت، بل أحيانًا بالتصفيق. المستشار الألماني فريدريش ميرتس يعتبر أن إسرائيل “تنفّذ العمل القذر بالنيابة عنّا”. ماكرون يهاجم إيران علنًا ويؤجّل الاعتراف بدولة فلسطين. في هذا المشهد السياسي المنحط، تتحوّل المساعدات الإنسانية إلى أدوات ابتزاز جيوسياسي، وتُستبدل الأمم المتحدة بمنظمات غامضة، كمنظمة GHF الأميركية التي تدير الإغاثة في غزة بما يخدم الشروط الإسرائيلية.
ماذا لو أغلقت إيران مضيق هرمز؟
في خطوة غير مسبوقة، صوّت البرلمان الإيراني بالإجماع لصالح إغلاق مضيق هرمز، الشريان الاستراتيجي العالمي للطاقة. القرار النهائي بيد المجلس الأعلى للأمن القومي والمرشد الأعلى خامنئي. وإذا ما أُقرّ، فالعواقب كارثية، خصوصًا على أوروبا التي تعتمد على إمدادات الطاقة من الخليج.
يمرّ عبر المضيق ما يقارب 20٪ من النفط العالمي، أي 17 إلى 18 مليون برميل يوميًا. ويقدّر خبراء أن أي إغلاق سيرفع أسعار النفط إلى 130 دولارًا، بل قد تتجاوز 300 دولار في حال التصعيد.
نتائج ذلك ستكون مزلزلة:
• تضخّم عالمي حاد.
• أزمة طاقة خانقة.
• اختلال سلاسل الإمداد.
• ركود اقتصادي يضرب الأسر والشركات.
• وتقنين الطاقة وأزمات صناعية في أوروبا.
لكن رغم كل ذلك، ستجد واشنطن وتل أبيب الذريعة للهجوم، مهما كان السبب. والمسؤولية تقع على ترامب، ممهّد الطريق، وعلى نتنياهو، مجرم الحرب، وعلى الزعامات الأوروبية الخانعة التي أصبحت أدوات في يد دولتين إرهابيتين: الولايات المتحدة وإسرائيل.
الإرادة السياسية للسلام… الغائب الأكبر
العدوان المحتمل على إيران ليس مسألة خلاف سياسي فحسب، بل اختبار أخلاقي للعالم. نتنياهو حوّل القلق الأمني إلى أيديولوجيا للبقاء، واحتكر سردية “الأمن الإسرائيلي” ليغطي بها جرائم حرب موثقة.
وعلى أنقاض غزة، يُعاد تدوير أسطوانة “الخطر الإيراني”، في تجاهل تام للواقع. الشعوب تُخنق بالعقوبات، والمساعدات تتحوّل إلى أدوات ضغط، والضمير السياسي العالمي غائب.
من المستفيد من الكذبة؟
عندما يتحوّل الكذب إلى استراتيجية دائمة، تكون الفوضى هي النتيجة الوحيدة الممكنة. لقد جرّت دولة الاحتلال المنطقة إلى دوّامة لا تنتهي من الحروب، وأفرغت مفاهيم الأمن والدفاع من مضامينها النبيلة، لتجعل منها أدوات هيمنة وابتزاز.
السلام لا يُبنى بالقنابل، ولا عبر تحالفات الاستقواء، بل بشجاعة قول الحقيقة، وكسر احتكار التهديد كذريعة للحكم. وحتى الآن، لا تزال هذه الشجاعة نادرة. لكنها وحدها مفتاح المستقبل.
حين تتكرّر الأكاذيب لعقود، لا تُصدّق الرواية… بل اسأل: من المستفيد الحقيقي؟
Laisser un commentaire