,

الاستعمار لم يمت…. 

الاعتقاد بأن الاستعمار انتهى بسقوط الإمبراطوريات هو وهمٌ خطير. الحقيقة المرة هي أن الاستعمار لم يختفِ، بل تحوّل إلى أشكال أكثر خفاءً، متسللًا إلى بنية الاقتصاد، والثقافة، والسياسة العالمية. فما كان يُفرض بالأساطيل والدبابات، يُفرض اليوم عبر القروض الجائرة، والهيمنة الثقافية الناعمة، والتفوق التكنولوجي.

جراح الماضي التي لم تندمل: من « حدائق البشر » إلى المتاحف

قبل قرنٍ من الزمن، كانت أوروبا تعرض البشر في « حدائق الحيوان » كـ« تحف إثنوغرافية » للترفيه والتسلية:

  شعب الكاليّنا من غويانا عُرضوا في باريس عام 1892 كـ« همج« .

  الطفل الكونغولي جوست بونافونتور لانغا مات بردًا في معرض بروكسل عام 1958، حيث كان جزءًا من « قرية أفريقية » ترفيهية.

اليوم، تستمر هذه الإهانة لكن بطرق أكثر تسترًا:

 جماجم المقاومين الجزائريين بقيت محتجزة في متحف باريس حتى عام 2020، تُعرض كـ« عينات علمية« .

 آلاف القطع الأثرية المسروقة (مثل كنوز بنين الثمينة) ما زالت محتجزة في المتاحف الأوروبية تحت ذريعة « الحفاظ على التراث« ، رغم المطالبات المتكررة بإعادتها.

« العلم الاستعماري حوّل الأجساد البشرية إلى عيّنات للدراسة، والفنون التليدة إلى غنائم حرب. » 

الاستعمار الاقتصادي: قيود خفية على التنمية

بينما قد لا نرى جنودًا، فإن الاستعمار الاقتصادي يعمل من خلال آليات معقدة تضمن استمرار تدفق الثروات من الجنوب إلى الشمال وتُعيق التنمية المستقلة:

  •  الديون غير الشرعية: تُغرق الدول النامية في ديون ضخمة، تُفرض عليها غالبًا بأسعار فائدة مرتفعة وشروط قاسية من مؤسسات مالية دولية (مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي) تهيمن عليها الدول الغربية. هذه الشروط (مثل برامج التكيف الهيكلي) غالبًا ما تتضمن خصخصة الخدمات العامة وتقليص الإنفاق الاجتماعي، مما يضعف الدولة ويجعلها أكثر عرضة للسيطرة الخارجية.
  •  اتفاقيات التجارة الحرة غير المتكافئة: تُبرم هذه الاتفاقيات بطريقة تخدم مصالح الدول الكبرى والشركات المتعددة الجنسيات، مما يسمح لها بالوصول إلى أسواق الدول النامية دون قيود، بينما تواجه منتجات الدول النامية حواجز تجارية في أسواق الشمال. هذا يدمر الصناعات المحلية ويزيد من الاعتماد على الاستيراد.
  •  التحكم في الموارد الطبيعية: تستمر الشركات الغربية في السيطرة على استخراج وتسويق الموارد الطبيعية الحيوية في الدول النامية (مثل النفط والمعادن)، مما يضمن تدفق الأرباح الضخمة إلى الخارج، بينما تبقى الشعوب المحلية فقيرة وتتحمل الأعباء البيئية.
  •  الهيمنة التكنولوجية والملكية الفكرية: تعتمد الدول النامية بشكل كبير على التكنولوجيا المنتجة في الدول الغربية، مما يخلق تبعية تكنولوجية. كما أن قوانين الملكية الفكرية، التي تفرضها الدول الغربية، تزيد من تكلفة الوصول إلى المعرفة والابتكار، وتحد من قدرة الدول النامية على تطوير قدراتها الذاتية.

الاستعمار الثقافي: تشكيل العقول وتغييب الهوية

يهدف الاستعمار الثقافي إلى غرس قيم ومعايير وقصص ثقافية خاصة بالمهيمن، لتحل محل أو تشوه الهوية المحلية للشعوب المستهدفة. إنه يعمل على عدة مستويات:

 * هيمنة النماذج الغربية: في التعليم والإعلام والفن، غالبًا ما تُقدم الروايات الغربية كنماذج عالمية للتطور والتقدم، مما يقلل من شأن الثقافات المحلية ويعتبرها « متخلفة » أو « غير حديثة« . هذا يدفع الأجيال الجديدة إلى التخلي عن تراثها وتبني ما يُملى عليها.

 * اللغة وأدوات المعرفة: فرض لغات المستعمر السابقة كلغات أساسية للتعليم العالي والعلوم والفرص الاقتصادية يهمش اللغات المحلية ويزيد من الحواجز أمام التطور المستقل. كما أن سيطرة الغرب على إنتاج المعرفة ونشرها تكرس تبعية عقلية.

 * الاستهلاك والأنماط الحياتية: الترويج لأنماط الاستهلاك الغربية ونماذج الحياة من خلال الإعلانات والبرامج التلفزيونية والأفلام يخلق طلبًا مصطنعًا على منتجات وثقافات لا تتناسب بالضرورة مع السياقات المحلية، ويدفع المجتمعات نحو التبعية الاقتصادية والثقافية.

 * تشويه التاريخ والذاكرة: يتم تجميل التاريخ الاستعماري في المناهج التعليمية الغربية، بينما تُهمش بطولات المقاومة المحلية وتُشوّه هوية الضحايا. هذا يخلق وعيًا زائفًا ويجعل الشعوب المستعمرة تاريخيًا أقل قدرة على فهم جذور مشاكلها الحالية.

عنصرية ممنهجة: تفاضل الأرواح مستمرّ

إن فكرة أن بعض الأرواح البشرية أقل قيمة من غيرها ما زالت قائمة وتتجسد بوضوح في:

  •  سياسات الهجرة: يُترك آلاف الأفارقة يغرقون في المتوسط، بينما تُفتح الأبواب على مصراعيها لأزمات أخرى، مما يكشف ازدواجية المعايير.
  •  تغطية وسائل الإعلام: تُبرز مآسي أوروبا وتُهمل مجازر تحدث في اليمن أو فلسطين، في تحيز صارخ يبرز « قيمة » بعض الأرواح على حساب أخرى.
  •  الخطاب السياسي: أحزاب اليمين المتطرف تروّج لـ« خطر الزحف الإسلامي » أو « الاستبدال العظيم« ، وهي خطابات تعيد تدوير المبررات الاستعمارية القديمة حول « همجية المستعمرات » وخطر « الآخر« .

تعليم مشوّه: حين يُصبح الجلّاد بطلاً

التعليم لا يزال يكرس رواية تاريخية منقوصة ومتحيزة:

  •  * في فرنسا: تُدرّس « البعثات الحضارية » للاستعمار دون ذكر التعذيب الممنهج والجرائم الوحشية في الجزائر.
  •  * في بريطانيا: يُحتفى بـ« شمس الإمبراطورية التي لا تغيب » دون التطرق إلى مجاعة البنغال الكبرى التي أودت بحياة الملايين.
  •  * في بلجيكا: تماثيل ليوبولد الثاني، المسؤول عن مقتل ما يقدر بـ10 ملايين كونغولي، ما زالت قائمة في الساحات العامة، وكأنها تكريم لجلاد لا لمحارب.

كسر الحلقة: كيف نقاوم الاستعمار الجديد؟

الاستعمار اليوم لا يرتدي قبعة عسكرية، بل ربطة عنق وبدلة رسمية. ولمواجهته، يتطلب الأمر وعيًا جماعيًا ومقاومة ممنهجة:

  •  * المطالبة باسترداد المسروقات: من الفنون والقطع الأثرية إلى جماجم الأجداد والثروات المنهوبة.
  •  * فضح الازدواجية الغربية: وكشف دعمها للاحتلالات القائمة (مثل فلسطين والصحراء الغربية) والمعايير المزدوجة في العلاقات الدولية.
  •  * إعادة كتابة التاريخ: بناء مناهج تعليمية تروي القصة كاملة، بعيدًا عن التشويه والتزييف، وتعترف بجرائم الاستعمار وبطولات المقاومة.
  • « الاستعمار كالأخطبوط: إذا قطعت ذراعًا، ينبت أخرى. » — فرانتز فانون 

الاستعمار لن يسقط إلا إذا واجهناه بوعي جماعي يرفض النسيان، ويُطالب بالعدالة، ويعمل على بناء عالم أكثر مساواة وإنصافًا.

Laisser un commentaire

Comments (

0

)