,

الإرهاب: التهديد العالمي والتحديات الأمنية

يُعدّ الإرهاب أحد أكثر المواضيع الاستراتيجية تداولًا في وسائل الإعلام، حيث يُقدَّم باعتباره التهديد الرئيسي لأمن جميع الدول. ولا تقتصر مخاطره على الغرب الدول وحده، بل يمكن أن يستهدف كل المجموعات و الدول، رغم أن النقاش حوله قد يكون أقل حدة في فضاءاتها العامة.

الإرهاب: تهديد غير متمركز

توجد فجوة كبيرة بين الأضرار التي يُسببها الإرهاب وردود الفعل التي يُثيرها، حيث حلّ محلّ “الخطر السوفيتي” في الذهنية الغربية كتهديد أساسي، لكنه يختلف عنه جذريًا. فالإرهاب ليس قوة عظمى، بل وسيلة تنفيذية غير مرتبطة بمكان محدد، سواء من حيث التخطيط أو التنفيذ. كما أنه لا يشكك في الوجود الجوهري للعالم الغربي، لكنه يخلق حالة من الخوف اللامحدود، حيث يمكن أن يضرب في أي مكان وزمان، مستهدفًا المدنيين في حياتهم اليومية—في وسائل النقل، المدارس، المتاجر وغيرها. هذه الطبيعة غير المتوقعة للإرهاب تجعله يقوّض التمييز التقليدي بين المقاتلين وغير المقاتلين، محوّلًا العالم بأسره إلى ساحة معركة محتملة (Laqueur, 1999).

هجمات 11 سبتمبر: تحول استراتيجي أم استعراض رمزي؟

على الرغم من الاعتقاد الشائع بأن هجمات 11 سبتمبر 2001 شكلت نقطة تحول جيوسياسية، إلا أنها لم تغيّر بشكل جوهري موازين القوى الدولية. لكنها أظهرت أن مجموعات صغيرة قادرة على تنظيم عمليات معقدة تنطلق من دول بعيدة وهشة، وتصيب قلب القوى العظمى، مثلما حدث مع الولايات المتحدة. وقد أشار الباحث صامويل هنتنغتون (Huntington, 1996) في كتابه صدامالحضارات إلى أن هذه الهجمات عززت الشعور بتصاعد الصراعات الثقافية والحضارية، بينما رأى برنارد لويس (Lewis, 2003) أن هذه الأعمال تعبّر عن امتداد تاريخي للصراع بين الإسلام والغرب.

الإرهاب كحرب غير متكافئة

الإرهاب هو شكل من أشكال الحرب غير المتكافئة، حيث تلجأ إليه الجماعات لتجاوز تفوق خصومها العسكريين. فالدول الغربية، بفضل قوتها العسكرية، لا تواجه تهديدًا خارجيًا تقليديًا، ولكن الهجمات الإرهابية تبقى نقطة ضعفها الأمنية الرئيسية.

لا يوجد تعريف متفق عليه عالميًا للإرهاب. فكثيرًا ما يرفض الفاعلون أنفسهم هذا الوصف، معتبرين أنهم “مقاومون”. خلال الحروب الاستعمارية، اعترفت الأمم المتحدة في بعض الحالات بشرعية اللجوء إلى القوة لتحقيق الاستقلال، لكنها ميزت بين الهجمات على القوات الاستعمارية وبين الاعتداءات على المدنيين (UNGA Resolution 3314, 1974).

الإرهاب: فعل سياسي أم جريمة؟

يمكن التوصل إلى تعريف مبدئي للإرهاب بناءً على العناصر التالية (Schmid, 2011):

1. الإرهاب فعل سياسي: فهو ليس مدفوعًا بدوافع إجرامية أو اقتصادية بحتة.

2. يستخدم العنف كوسيلة أساسية: فلا يقتصر على الدعاية أو النقاشات الأيديولوجية.

3. يستهدف المدنيين بشكل غير محدد: فالقوات العسكرية ليست وحدها ضمن نطاق الاستهداف.

لكن لا يزال هناك جدل كبير حول مسألة جوهرية: هل الإرهاب حكر على الجماعات غير الحكومية، أم يمكن أن ترتكبه الدول أيضًا من خلال قصف المدنيين، أو استخدام الميليشيات، أو تنفيذ عمليات اغتيال ممنهجة؟ الباحث الأمريكي نوام تشومسكي (Chomsky, 2001)، على سبيل المثال، يشير إلى أن بعض التدخلات العسكرية الغربية ذاتها قد تحمل طابع الإرهاب المنظم، معتبرًا أن مفهوم الإرهاب يُستخدم أحيانًا كأداة سياسية لتبرير التدخلات العسكرية.

مكافحة الإرهاب: بين الأمن واحترام الحقوق

لمواجهة الإرهاب، قد تلجأ بعض الأنظمة إلى سياسات قمعية تتعارض مع حقوق الإنسان. في هذا السياق، تتباين المواقف: فهناك من يرى أن البحث عن أسباب الإرهاب يعني إيجاد مبررات له، في حين يرى آخرون، مثل أوليفييه روا (Roy, 2002)، أن الفهم العميق للدوافع السياسية والاجتماعية للإرهاب هو المفتاح لمواجهته بفعالية. إذ لا يمكن للوسائل العسكرية وحدها القضاء عليه، بل قد تؤدي إلى تفاقمه. وبالتالي، فإن الحلول السياسية والاجتماعية تظل الأكثر نجاعة في الحد من هذه الظاهرة.

خاتمة

الإرهابليسظاهرةجديدة،لكنهأصبحأحدأهمالتحدياتالأمنيةالمعاصرة،إذيخلطبينالحروبالتقليديةوالصراعاتغيرالمتماثلة. وإدراكأسبابهوالسياقاتالتيتغذّيههوالسبيلالأفضللمكافحتهبطرقفعالةومستدامة،بعيدًاعنالردودالأمنيةالعشوائيةالتيقدتؤديإلىنتائجعكسية(Crenshaw, 1981).

Laisser un commentaire

Comments (

0

)