, ,

الحجّ: حين يلتقي الإيمان بالطبّ في أقسى الظروف

كل عام، يشهد العالم حدثًا استثنائيًّا: أكثر من مليوني حاج يفدون إلى مكة المكرمة من شتّى أنحاء المعمورة، في مشهد روحاني وإنساني يأسر القلوب ويختبر العقول. ومع هذا التدفّق البشري الهائل، تولد مدينة طبية مؤقتة، متكاملة الأركان، بعياداتها ومستشفياتها وطواقمها وإمكاناتها اللوجستية الهائلة، تستنفر لخدمة أناسٍ حملوا معهم أمراض الجسد وآمال الروح، ويمّموا وجوههم شطر بيت الله الحرام.

امتحان الإيمان والصحة

الحجّ ليس فقط رِحلة إلى الله، بل هو امتحان قاسٍ للبدن والروح معًا. نحو ثلث الحجاج من كبار السن، وكثيرٌ منهم يعانون من أمراض مزمنة كالسكري، وارتفاع الضغط، وأمراض القلب، بل وحتى السرطان. بعضهم يعلم يقينًا أنّه يخطو خطواته الأخيرة، طالبًا حسن الخاتمة تحت ظلال الكعبة. في هذا السياق، يتجاوز دور الطبيب الوظيفة الطبية ليصبح شريكًا في الرحلة: ينقذ، ويواكب، ويخفف، بروحٍ إنسانية عالية.

﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾
نداء سماوي يوحّد البشرية في المكان والزمان، ويضع الكوادر الطبية في مواجهة غير مسبوقة.

منظومة صحية عظيمةولكن مؤقتة!

في غضون أسابيع قليلة، تُشيَّد بنية صحية جبارة: مستشفيات ميدانية، وحدات طوارئ، آلاف الأطباء، أجهزة طبية دقيقة، وممرات معقمةثم تُفكّك كلها بعد انقضاء المناسك. هو نظام صحي موسمي، أشبه بعملية إنزال طبي في زمن قياسي، يُدار بكفاءة مدهشة، ويكشف عن قدرة الإنسان على حشد إمكاناته حين تدعوه الحاجة.

حرارة، ازدحام، ومفاجآت قاتلة

تتعدد المخاطر الصحية أثناء الحجّ، من ضربات الشمس القاتلة، إلى تدافع الحشود، إلى السيول المفاجئة، فضلًا عن الأمراض المعدية التي تهدد الجميع. ففي عام 2015، توفي أكثر من 2400 حاج في حادث تدافع مروّع، وفي 2022 استدعت الفيضانات إجلاء آلاف الحجاج. ورغم هذا كلّه، فإن نسبة الوفيات لا تتجاوز 0.01%، في إنجاز طبي يُحتذى به عالميًّا.

طبّ عابر للّغات والثقافات

أكثر من 120 لغة يتحدث بها الحجاج، وكلٌّ يحمل رؤيته الخاصة للمرض، وللدواء، وللموت. التباين كبير، لكن الجسور تُبنى: بالترجمة الفورية، بالفهم الثقافي، وبالرحمة الصادقة. مئات الحجاج يلقون حتفهم كل عام، لكنهم يرحلون بطمأنينة، وكأنهم بلغوا مبتغاهم الأخير.

﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾
هنا، يتحول الموت من نهاية مأساوية إلى لحظة مقدّسة، والطبيب إلى شاهد على عبور الروح نحو المطلق.

مختبر عالمي للطب الوقائي

الحجّ ليس مجرد موسم، بل هو ساحة تجريب عالمي في الصحة العامة: من حملات التلقيح الإجباري، إلى أنظمة المراقبة الوبائية المتطورة، مرورًا باستخدام الطائرات المسيّرة والسّوار الذكي لتتبّع الحجاج وتقديم الرعاية في الوقت المناسب. تجربة الحج في زمن الكورونا أثبتت قدرة هذا النموذج على مجابهة الأزمات الصحية الكبرى بكفاءة مذهلة.

طبّ الحج: فلسفة إنسانية تتجاوز الطوارئ

في عالمٍ تتسارع فيه الأوبئة وتنهار فيه أنظمة صحية، يشكل موسم الحجّ نموذجًا فريدًا يُبرِز ما يمكن أن تصنعه الإرادة حين تستنفرها الإيمان والتنظيم الدقيق. فطبّ الحجّ ليس فقط تدخّلًا إسعافيًّا، بل هو فلسفة متكاملة: الطبّ بوصفه خدمة للضعيف، ورعاية للروح، وجسرًا بين الإنسان وخالقه.

«العمل الطبي في الحجّ يشبه مهمةً في كوكب آخر: حرارة مرهقة، زحام خانق، لغات لا تُعدّ، وأملٌ في شفاء أو رحيل مبارك
د. علي الغامدي، طبيب طوارئ في مكة

خاتمة: طبٌّ في حضرة الله

حين نتأمل في طبّ الحج، نرى أكثر من مجرد علاج، نرى منظومة غير مرئية للعالم، لكنها حاضرة بعمق في قلوب الحجاج. إنه طبّ لا يُمارَس فقط بين المستشفيات، بل في ظلّ الكعبة، بين دموع التوبة وأنين المرضى. هنا، لا يكون الطبيب مجرد معالج، بل شاهدًا على لحظةٍ يتلامس فيها الإنسان مع الأبد.

Laisser un commentaire

Comments (

0

)