, , ,

العرب والهزيمة : عن الخضوع، الخيانة، وسؤال النهوض

بينما يُقهر الشعب الفلسطيني من جديد، يُقتل ويُهان أمام مرأى العالم، ترتفع الزغاريد وتعلو الموسيقى في عواصم عربية ابتهاجًا بانتصارات فرق كرة القدم في الدوريات الأوروبية والعربية.  

مشهدٌ فاجع يلخّص مأساة هذا الزمن العربي: شعوب تُذبح وترقص، أوطان تُغتصب وهم يُصفّقون، ثروات تُهدر وهم يرزحون تحت وطأة الفقر والجوع.  

ولم يُخطئ الشاعر والمفكر أدونيس حين قال:  

الغرب لا يريد عالِمًا عربيًا في مستواه، بل يريد لهذا العالم أن يبقى في ظلامه. الغرب يحتقر العرب ويحتقر المسلمين جميعًا، ولا يُقيم لهم وزنًا، لأنهم صاروا جديرين بذلك.”

هزيمة تتجاوز السلاح

لم يعد الحديث عن الهزائم ترفًا فكريًا أو جلدًا للذات. إنها اليوم واقعٌ راسخ، وسلوكٌ جماعي، وعُرف ثقافي ونفسي.  

من نكبة 1948، إلى نكسة 1967، فاجتياح بيروت، ثم غزو العراق، وصولًا إلى الثورات المضادة التي سحقت أحلام الملايينلم يتغيّر جوهر العدو بقدر ما تطورت أدواته. لم يعد بحاجة إلى دبابات واحتلال مباشر، بل يكفيه رعاية طغاة محليين، وترويض نخبٍ مدجنة، وتغذية اقتصاديات تابعة تستهلك أكثر مما تُنتج، وتنبهر أكثر مما تُفكّر.

خضوع رسمي واستسلام شعبي

لم تعد الأنظمة العربية تُخفي خنوعها. تُطبّع، تتنازل، تُبرّر، وتُجرّم من يذكّرها بأن الشعوب لا تموت بصمتها.  

تُلاحق المقاومين، تُخوّن المفكرين، تُصادر الكلمة، وتفتح الأبواب لتكنولوجيا المراقبة القادمة من محتلي الأمس. أما الاستثمارات التي تُغدقها، فهي أقنعة لتغلغل اقتصادي ونفوذ سياسي مهيمن.

لم تعد الخيانة خفية تُحاك في الظل، بل سياسة رسمية تُعلن على المنابر. ولم يعد الانبطاح استثناءً، بل هو القاعدة التي تُسوّق تحت مسمىالواقعية السياسية”.

والأخطر من ذلك: الشارع العربي نفسه. ذاك الذي تغنّى بالشجاعة والكرامة، بات في كثير من أجزائه منهكًا، مكسور الإرادة، يُصفّق للجلاد، ويهاجم من يصرخ، ويصمت على القهر، وينتشي بثقافة لا تُنتج سوى الخضوع.

أحرار خلف القضبان

أحرار هذا العالم العربي إمّا في المنافي أو في السجون. تُلصق بهم تُهمٌ باطلة قد تفضي إلى الإعدام أو السجن المؤبد، دون أن يتحرك الشارع، ودون أن تهتزّ عروش تدّعي الشرف وتبيع الكرامة بثمن بخس.  

فكيف لشعوب تُهلّل لجلاديها أن تنال احترام الآخرين؟ وكيف لمن لم يعد يعرف طعم الحرية أن يطالب بها؟ وهل تُبنى الأوطان على أنقاض الحقيقة وأشلاء العدالة؟

و كما قال محمود درويش هناك في الأرض من يستحق الحياة

ورغم كل هذا الظلام، لا تزال جذوة النور مشتعلة. لا يزال هناك من يُربّي أبناءه على أن الاستقلال لا يُختزل في عَلَمٍ ونشيد، بل في حرية الفكر، وكرامة الإنسان، وسيادة القرار. لا يزال هناك من يكتب، من يقاوم، من يُؤمن أن الخلاص لن يأتي من واشنطن ولا من تل أبيب، بل من صحوة الضمير العربي الحر.

الهزيمة ليست قدرًا، بل نتيجة خيانات متراكمة، وخضوع ممنهج، وكسلٍ أخلاقي جماعي. ولا سبيل للخروج منها إلا بوقفة صادقة مع الذات، بكسر تحالفات القمع، واستعادة معنى أن تكونعربيًا لا يرضى المذلّة”.

أدونيس كان قاسيًا، نعم. لكنه لم يكن كاذبًا. فالاحتقار لا يولد من فراغ.  

والسؤال الذي يواجهنا اليوم ليس: كيف هُزمنا؟  

بل: هل لا نزال نملك الشجاعة لننهض من جديد؟

Laisser un commentaire

Comments (

0

)