,

الإعلام كسلاح دمار ناعم: دهاء إسرائيل وسذاجة العرب

في زمن طغت فيه المعلومة على المعنى، غدت الحقيقة عملةً نادرة، بل مشروع مقاومة قائم بذاته. وبينما تتخبط وسائل الإعلام العربية في فهم ديناميكيات المشهد العالمي، تحوّلت إسرائيل إلى لاعبٍ ماهر يُحسن استخدام الإعلام كسلاح استراتيجي: يصنع الشرعية، ويطمس المأساة، ويمنح الجلاد قناع الضحية.

لقد غدت المعلومة سلعةً سريعة التلف، تُستهلك لحظة إنتاجها، وتُقيَّم لا بحقيقتها، بل بمدى قابليتها للتسويق. وعلى من يخوض معركة السرد أن يُتقن عرض الرواية في قالب جذّاب، بلغةٍ تُساير أذواق المتلقّي، وتُراعي معاييره النفسية والثقافية، تمامًا كما تُسوَّق المنتجات في السوق الاستهلاكية. فالسرد الإعلامي اليوم لا يُكسب فيه من يملك الحق، بل من يُجيد تسويقه.

الدعاية ليست مجرد أكاذيب تُروى، بل هي منظومة متكاملة: خطابٌ محكم، ومؤسساتٌ مموّلة، ووجوهٌ ناعمة تُجيد البلاغة، وتتّكئ على شبكة علاقات متغلغلة في كبرى غرف التحرير العالمية. هنا يظهر الفرق الفادح بين بروباغندا عربية غالبًا ما تتسم بالركاكة والارتجال، ودعاية إسرائيلية تتقن فن “التضليل المُقنع بالحجة” : أكاذيب تُصاغ بلغة الحقوق، وحقيقة تُخمد باسم “أمن إسرائيل”.

منذ 1948، استثمر الكيان الصهيوني بكثافة في هذه الماكينة. فإلى جانب الإعلام الرسمي كقناة “كان”، هناك ناطقون مدرَّبون وحسابات تتحدث بالعربية مثل “أفيخاي أدرعي” و”إسرائيل بالعربية”، ينشرون الرواية الإسرائيلية بلهجة ودودة ومصطلحات محايدة، تُخفي تحتها بنية استعمارية صلبة.

في قصف مستشفى المعمداني بغزة (أكتوبر 2023)، سارعت مؤسسات كبرى مثل BBC وCNN إلى تبني رواية “الصاروخ الفلسطيني الطائش”، دون دليل أو تحقق. انحياز فوري يصعب فصله عن سطوة اللوبيات وتواطؤ الأنظمة. ومع انكشاف زيف السرد تحت ضغط الحقائق، ظهرت تراجعات خجولة، لكن الضرر وقع : زُرع الشك، وتحولت الجريمة إلى خبر “ملتبس”. إنه سيناريو يتكرر مع كل مجزرة تُرتكب.

رقابة الحديد: عندما يُمنع الصحفي من تسمية الحقيقة

التحكم في الرواية لا يقتصر على الخارج. في الداخل الإسرائيلي، تعمل الرقابة العسكرية كشرطي صامت داخل كل غرفة تحرير. تُمنع التغطية الدقيقة لأعداد القتلى من الجنود، ويُفرض على الصحفيين مقص الرقيب الذي يحدّد ما يُقال وما يُخفى. كتب جدعون ليفي: “لا وجود لصحافة حرة تمامًا حين يتعلق الأمر بالجيش”. إنها ديمقراطية بوجهين: حرية لتمجيد المؤسسة العسكرية، وصمتٌ صارم أمام الفظائع.

وفي حرب غزة الأخيرة، قتلت إسرائيل أكثر من 200 صحافي، وهو عدد غير مسبوق، وأشهرهم شيرين أبو عاقلة، وهي تقوم بعملها. وكعادتها، ادعت إسرائيل أنها أصيبت بسلاح الفلسطينيين. قوى الاحتلال تمنع خروج الصور والمعلومات من القطاع، وترهب كل من يحاول نقل الحقيقة، لكن مع الإنترنت أصبحت الحقيقة تُبث وتنقل في ثوانٍ.

التكنولوجيا في خدمة الكذب

تُسخّر إسرائيل أحدث الأدوات لإنتاج واقع بديل: من الذكاء الاصطناعي إلى تحليل البيانات الضخمة، مرورًا بحملات رقمية مُمنهجة. كشفت The Guardian عن وحدة “Team Jorge”، المختصة في صناعة حملات التضليل، باستخدام حسابات وهمية وهجمات إلكترونية. حتى المؤثرين العالميين جُنّدوا ضمن حملة “StandWithIsrael”، التي بدت تلقائية، لكنها كانت منسّقة بعناية من وزارة الشؤون الاستراتيجية.

أكاذيب تُروى بثقة

بعد هجوم 7 أكتوبر، اجتاحت وسائل الإعلام الغربية موجة روايات عن الذبح الجماعي واغتصاب النساء… ثم تبيّن لاحقًا أنه لا أدلة مادية تُثبتها. حتى The New York Times أقرت بأن غالبية القصص لم تُثبت من مصادر مستقلة. لكن بعد أن يُنشر السرد، لا تعود الحقيقة قادرة على اللحاق به. لقد تحوّل الفلسطيني إلى وحش، وتحولت المجازر إلى “دفاع عن النفس”.

انحياز بنيوي في التغطية الغربية

أظهرت دراسة من جامعة غلاسكو أن BBC قدّمت الرواية الإسرائيلية بضعف ما خصصته للرواية الفلسطينية. وفي تغطية CNN لقصف رفح (فيفري 2024)، ورد ذكر “ضحايا إسرائيليين” عشر مرات خلال ثلاث دقائق، مقابل مرة واحدة للفلسطينيين، رغم سقوط أكثر من مئة قتيل في الليلة ذاتها.

قالت الصحفية آبي مارتن ذات مرة: “الفلسطيني لا يُسمح له أن يكون ضحية إلا إذا كان صامتًا. فإن دافع عن نفسه، صار إرهابيًا.”

الحقيقة كمعركة وجود

في وجه هذا الطوفان الإعلامي المنظّم، لا يكفي امتلاك الحق، بل يجب امتلاك اللغة التي تنطق به. المطلوب ليس فقط فضح الدعاية، بل بناء سردية مضادة تملك المصداقية، والعمق، والبعد الإنساني.

فالحروب لا تُكسب بالقنابل وحدها، بل بالأخبار، والقصص، والكلمات.

لقد آن أوان الصحوة. وآن أوان مقاومة المستعمِر بكل أسلحته — وأخطرها الإعلام — حتى نكسب ضمير العالم، خصوصًا في الغرب، حيث تُصاغ الروايات وتُمنح الشرعيات.

Laisser un commentaire

Comments (

0

)