,

القِمَم العربيّة… حين يصير العجزُ طقسًا رسميًّا

بينما كانت غزّة تُهدم على رؤوس أهلها، والضفّة تُقمع بالرصاص، غادر دونالد ترامب المنطقة محمَّلًا بصفقات بمليارات الدولارات وطائرة فريدة قدّمها أحد الملوك. خلّف وراءه موتى بلا حصر، ودمارًا بلا أفق، وصمتًا عربيًّا مُخزيًا. ثمّ، وفي بغداد التي لم تلتئم جراحها بعدُ من الاحتلال والطائفية، يجتمع القادة العرب ـــ أو مَن ينوب عنهم ـــ تحت شعار “التضامن العربي”… ويا له من تضامن! اسمٌ بلا مسمّى، وعنوانٌ يناقض المضمون.

القمة العربيّة الرابعة والثلاثون تُعيد العرض ذاته: كلمات منمّقة، بيانات ختاميّة، وخُطَب عاطفيّة لا تُسمن ولا تُغني من جوع. وراء المنصّة تقف الحقيقة العارية: ما يُسمّى “العمل العربي المشترك” بات هيكلًا بلا روح، جثّة تُجمَّل كل عام، بينما تنهار القِيَم، وتُباع القضايا، وتُداس الشعوب. والغضب العربي يُقمع بسلاح الإمبرياليّة وبأيادٍ محلّية… لكنّ كل مأساةٍ، مهما طالت، إلى زوال.

“اتّفق العرب على ألّا يتّفقوا”
ليست نكتة سياسيّة، بل واقع يتكرّر منذ عقود: العراق دمِّر، السودان قُسِّم، سوريا صارت أرضًا مستباحة، وفلسطين ـــ البوصلة المفترضة ـــ غدت بندًا هامشيًّا يُتلى بأسًى مصطنع ثم يُطوى مع انصراف الوفود. لا قرارات مُلزِمة، لا مواقف شجاعة، لا مواجهة للاحتلال، ولا حتى حياء من الخيانة.

أيُّ تنميةٍ تُبشَّر بها في عاصمة لم تُرمَّم بعدُ من أنقاض الغزو الأميركي؟ أيُّ ازدهارٍ في ظلّ أنظمةٍ تُطبّع مع الاحتلال وتستثمر في النيوليبراليّة المتوحّشة بدلًا من الاستثمار في الإنسان والعِلم؟ بينما يتجمّد اللاجئون السوريّون على حدود اليأس، وينتشل أطفال غزّة من تحت الركام، تُهدَر الملايين على القاعات المُذهَّبة والولائم الملكيّة والخُطَب المترفة.

جامعةٌ بلا روح… وأمينٌ بلا موقف
جامعة الدول العربيّة كيانٌ شاخ قبل أوانه. لا تملك أدوات ضغط، ولا إرادة استقلال، ولا احترامًا لتطلّعات الشعوب. أمينها العام أحمد أبو الغيط مجرّد صدى باهت لتصريحاتٍ عتيقة، وواجهةٌ لنظام رسميّ عاجز؛ لا يرى، لا يسمع، لا يتحرّك، حتى حين تُنتهَك المقدّسات وتُباد المدن.

تطبيعٌ مُعلَن… وخيانةٌ مُقنَّعة
تتسابق بعض الأنظمة إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني، سرًّا أو جهرًا، ثم تعرج إلى المنصّات لتذرف دموع التماسيح على شهداء فلسطين! أيُّ انفصامٍ هذا؟ وأيُّ كرامة بَقية حين يصير العدوّ “شريكًا استراتيجيًّا”؟ أين الضمير العربيّ وقد صارت القدس صفقةً، ودماء الأطفال ورقةَ مساومة دبلوماسيّة؟

إعلاناتٌ تُدفن فور ولادتها
“إعلان بغداد ”سيلحق بإعلانات الخرطوم وبيروت وسِرت وغيرها؛ أوراقٌ تُودَع في أرشيف الهزيمة. لا الشعوب تقرأها، ولا الأنظمة تُنفذها، ولا العالم يعبأ بها. في زمنٍ تُقاس فيه السياسات بالنتائج لا بالخُطب، ما جدوى كل هذا الصخب إذا لم يُغيّر شيئًا من واقع القهر والانقسام؟

شاهدُ زورٍ على انحدار أمّة
لم تعد القمم العربيّة محفَلًا للعمل المشترك، بل مرآةً تعكس حال أمّةٍ مُستباحة: شعوبٌ مسحوقة، حريّاتٌ مغتالة، نُخبٌ مُلاحَقة، تطبيعٌ يزحف كالأفعى، وخُطبٌ جوفاء فوق أنقاض الكرامة. غدت هذه القمم شاهدَ زورٍ على خيانةِ الحُلم العربيّ، وعجزِ القادة عن صون ما تبقّى من الكبرياء.

آن أوانُ “ كفى”
لم يَعُد ممكِنًا التكيّف مع هذا العبث. التاريخ لا يرحم، والذاكرة لا تنسى. آن أوانُ لحظة صدقٍ، انتفاضةِ وعي، تحرّرٍ من عقلية الاستسلام والمجاملات. آن للشعوب أن تنطق كلمتها، بعيدًا عن أنظمةٍ باعت أوطانها لتضمن بقاءها، ولو على جثث أبنائها.

فلتنعقد القِمم ما شاءت، وليُصدِروا مئات البيانات؛ غير أنّ الحقيقة ثابتة: العالم العربي في محنةٍ لن تُنقذه خُطب، بل ثورةُ ضمير، وكسرُ طوقٍ حديديٍّ من الكذب والتخاذل.

Laisser un commentaire

Comments (

0

)