في ظل التحولات السياسية السريعة التي تشهدها أوروبا، بدأت تظهر تحالفات كانت سابقًا مجرد تكهنات خفية. في السادس والعشرين من مارس 2025، استضافت باريس اجتماعًا تحت شعار « من أجل الجمهورية »، حضره عدد من الشخصيات السياسية الفرنسية البارزة، من بينهم مانويل فالس، وزير الأقاليم ما وراء البحار آنذاك، وبرونو روتايو، وزير الداخلية. وقد وصف فالس هذا التجمع بـ « التعبئة التاريخية ».
بينما تم تقديم الحدث كتحالف لمكافحة التطرف الإسلامي، سرعان ما انكشف عن تلاقي أيديولوجي حذّر منه العديد من المراقبين. لم يعد هذا التقارب مجرد تخمينات بل تجسد في تحالف واضح بين تيارات الجمهورية الجديدة واليمين المتطرف، إلى جانب شريحة مؤثرة من الصهيونية السياسية. هذا الاصطفاف أصبح له تأثير بارز في الخطاب السياسي والإعلامي الفرنسي، وهو جزء من موجة أوسع تجتاح العالم الغربي، حيث أصبح العداء للإسلام والمسلمين المحرك الرئيسي لليمين الجمهوري، الذي يستثمر في هذا العداء كوسيلة لجذب الدعم السياسي وصياغة خطابه.
كما لوحظ تقارب متزايد بين الصهيونية والقومية الأوروبية العرقية، حيث تجلى هذا التحالف في خطاب سياسي وإعلامي يدعو إلى « استعادة السيادة الثقافية »، وهي أفكار تلقى رواجًا بين اليمين المتطرف في الغرب.
حملت قائمة المتحدثين دلالات واضحة على الاتجاه الذي سعى المنظمون لترسيخه. فإلى جانب الوزراء المذكورين، شهدت المنصة ظهور شخصيات بارزة معروفة بقربها من اليمين المتطرف. لم يكن الاجتماع مجرد تعبير عن موقف ضد التطرف الإسلامي، بل تجلى كاستعراض أيديولوجي هدفه تصوير الإسلام كخطر وجودي يهدد النسيج المجتمعي.
تجلى هذا الاتجاه بوضوح في الخطابات التي اتبعت نمطًا متكررًا بين الجمهوريين الجدد، حيث ظهرت مواقف صارمة تجاه قضايا متعددة. فقد تم دعم إسرائيل بشكل مطلق، وأي انتقاد لسياساتها، خصوصًا بعد هجوم السابع من أكتوبر على غزة، اعتُبر معاداة للسامية. تجسد هذا الموقف في كلمة أرييه بنسمهون، الذي افتتح الفعالية بالحديث عن « الرهائن الإسرائيليين » وهاجم اليسار الفرنسي لعدم إدانته حركة حماس بما يكفي.
انعكس هذا التقارب في التصفيق الحار الذي قوبل به برونو روتايو، المعروف بمواقفه القاسية تجاه الهجرة. وقد أكد في كلمته على « ضرورة الدفاع عن الهوية الأوروبية »، مستخدمًا لغة تتماشى مع الخطاب الصهيوني الذي يدعو إلى « دولة قومية محصنة ».
هذا التقاطع لم يكن عرضيًا، بل يعكس نزعة أوسع في المشهد السياسي الغربي، حيث أصبح العداء للإسلام والمهاجرين الرابط المشترك بين تيارات يمينية متعددة، تستخدم خطاب « الحرب الحضارية » لتبرير سياسات إقصائية. لم يعد النقاش مقتصرًا على مواجهة التطرف، بل أصبح الإسلام يُصوَّر كعامل تهديد يستدعي ردود فعل استثنائية، كما ظهر في العديد من التدخلات خلال الاجتماع.
بعض الخطابات لم تخلو من نبرة استعمارية، حيث تم استحضار مقولات « فرنسا المهددة » بلغة تذكر بفترة الاستعمار. وقد تجلى ذلك في تصريح نوال لونوار، التي زعمت أن « فرنسا على أعتاب الوقوع تحت سيطرة ثيوقراطية إسلامية ».
بلغ هذا الانزلاق ذروته عندما صرح إريك دانون، السفير الفرنسي السابق، بأن « الفلسطينيين بحاجة إلى إبادة جماعية لتبرير وجودهم »، وهو ما يكشف عن مدى الانحدار الذي بلغه الخطاب لدى بعض الأطراف، حيث أصبح العنف يُعتبر أداة مقبولة.
لم يكن هذا الحدث، الذي قدّم كمبادرة لمكافحة التطرف، سوى تجسيد لتحالف معلن بين جزء من اليمين المتطرف وبعض رموز الجمهورية الجديدة. لم يكن الهدف الحقيقي تقديم حلول لمواجهة التطرف، بل كان استعراضًا للقوة يهدف إلى فرض رؤية أيديولوجية موحدة تعتمد على هاجس الهوية الضيق، مما يهدد القيم الديمقراطية والتعددية التي تشكل أساس الجمهورية الفرنسية. وهو بالتالي جزء من ظاهرة أوسع تنتشر في مختلف الدول الغربية، حيث تتحول كراهية الإسلام والمسلمين إلى القاسم المشترك الرئيسي بين التيارات اليمينية، وتستخدم كأداة لتبرير سياسات قمعية وتمييزية تهدد النسيج الديمقراطي.
صعود التحالفات الهوياتية مع الصهيونية في الغرب والعداء للإسلام والمسلمين 2
في السنوات الأخيرة، شهد الغرب تحولًا سياسيًا لافتًا تجلى في صعود تحالفات جديدة تجمع بين التيارات القومية الهوياتية والصهيونية السياسية، مستندة إلى خطاب يتمحور حول “حماية الهوية” و”الدفاع عن الحضارة” ضد ما تصفه هذه القوى بـ”التهديد الإسلامي”. هذا التحالف، الذي كان في السابق أقل وضوحًا، بات اليوم جزءًا رئيسيًا من المشهد السياسي، خاصة في أوروبا وأمريكا الشمالية، حيث يتلاقى اليمين الجمهوري الجديد واليمين المتطرف مع الصهيونية في خطاب موحد يجعل العداء للإسلام والمسلمين محوره الأساسي.
تحالف يقوم على هاجس الهوية
تعتمد هذه التحالفات على سردية تصور الإسلام ليس فقط كدين، بل كقوة تهديدية ذات أبعاد سياسية وديمغرافية، مما يبرر اتخاذ سياسات قمعية وإقصائية تجاه المسلمين. في هذا السياق، نجد أن الأحزاب اليمينية المتطرفة، التي كانت في الماضي معادية للصهيونية باعتبارها أيديولوجية أجنبية، قد وجدت في التحالف مع الصهيونية السياسية أداة لتعزيز شرعيتها وتمرير أجنداتها القومية. بالمقابل، ترى الصهيونية في هذا التقارب فرصة لحشد الدعم لإسرائيل عبر ربط أمنها بمفاهيم أوسع تتعلق بـ”مكافحة الإسلاموية” و”الدفاع عن الغرب”.
هذا التقاطع تجلى في دعم غير مشروط لإسرائيل من قبل أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا وأمريكا، حيث يتم تصوير أي انتقاد للسياسات الإسرائيلية، خصوصًا تجاه الفلسطينيين، على أنه شكل من أشكال معاداة السامية. كما يتم الترويج لفكرة أن إسرائيل تمثل “خط الدفاع الأول” عن الحضارة الغربية في مواجهة “الخطر الإسلامي”، مما يسمح لليمين القومي بتبرير تحالفه مع الصهيونية رغم خلافاته الأيديولوجية التقليدية معها.
من معاداة السامية إلى توظيفها
على مدار عقود، كانت الأحزاب القومية الأوروبية، وخاصة ذات الجذور الفاشية، معروفة بعدائها التقليدي لليهود. غير أن هذا الخطاب شهد تحولًا جذريًا مع صعود تيارات جديدة أدركت أن استبدال العداء لليهود بعداء أكثر قبولًا اجتماعيًا ضد المسلمين قد يمنحها شعبية أوسع. وبهذا، لم تعد معاداة السامية تُستخدم كأداة مركزية في خطاب هذه الأحزاب، بل تم توظيفها بشكل انتقائي: إذ يتم اتهام اليسار والليبراليين بمعاداة السامية عند انتقادهم لإسرائيل، بينما يستمر العداء للمهاجرين والمسلمين دون قيود.
هذا التغيير سمح لأحزاب مثل حزب التجمع الوطني في فرنسا، وحزب البديل من أجل ألمانيا، وحزب المحافظين الجديد في بريطانيا، والحزب الجمهوري اليميني في الولايات المتحدة، بتشكيل تحالفات مع اللوبيات الصهيونية، تحت راية مشتركة تعادي المسلمين، وتصورهم كخطر وجودي على “الهوية الوطنية”.
إسرائيل كنموذج لليمين الغربي
أصبح نموذج الدولة القومية العسكرية الذي تمثله إسرائيل نموذجًا يُحتذى به لدى العديد من السياسيين اليمينيين في الغرب. حيث يُنظر إلى السياسات الإسرائيلية، خصوصًا فيما يتعلق بالفصل العرقي والسيطرة الأمنية الشاملة، على أنها مثال يُمكن تطبيقه في أوروبا وأمريكا.
ففي فرنسا، على سبيل المثال، يتحدث رموز اليمين المتطرف عن ضرورة تبني “النموذج الإسرائيلي” في التعامل مع المسلمين والمهاجرين، عبر فرض قوانين أكثر صرامة على الحجاب والمساجد، وتوسيع صلاحيات الشرطة، وتشديد قوانين الهجرة. وفي الولايات المتحدة، أصبح دعم إسرائيل قضية محورية لدى المحافظين الجمهوريين، حيث يتم الترويج لفكرة أن “الحضارة اليهودية-المسيحية” تواجه تهديدًا مشتركًا من الإسلام، سواء في الشرق الأوسط أو داخل المجتمعات الغربية.
العداء للإسلام كقوة موحدة
ما يجمع هذه التحالفات هو العداء المشترك للإسلام والمسلمين، وهو عداء أصبح العنصر المركزي في سياسات الهوية اليمينية. لم تعد معارضة الهجرة تقتصر على البعد الاقتصادي أو الاجتماعي، بل أصبحت مبررة بخطاب حضاري يرى في المسلمين “عنصرًا غريبًا” غير قادر على الاندماج في المجتمع الغربي.
هذا الخطاب يتجلى في سياسات التضييق على المسلمين، مثل حظر الرموز الإسلامية في الفضاء العام، وإغلاق المساجد والمؤسسات الإسلامية، وتصوير الجاليات المسلمة على أنها “طابور خامس” يسعى لتدمير الغرب من الداخل. في ألمانيا وبريطانيا، باتت الأحزاب القومية تستخدم خطابًا يستحضر صدامًا حضاريًا بين “الأوروبيين الأصليين” و”المسلمين الدخلاء”، متجاهلة حقيقة أن جزءًا كبيرًا من المسلمين في هذه البلدان هم مواطنون منذ أجيال.
تحالف براغماتي أم مشروع طويل الأمد؟
يبقى السؤال: هل هذا التحالف بين التيارات الهوياتية والصهيونية هو مجرد تحالف مرحلي يستند إلى المصالح السياسية الراهنة، أم أنه يعكس تحولا أيديولوجيًا طويل الأمد؟ الواقع يشير إلى أن هذا التحالف أصبح جزءًا من المشهد السياسي الغربي، حيث تتلاقى المصالح الأمنية والسياسية والإعلامية حول استراتيجية موحدة تستهدف الإسلام والمسلمين باعتبارهم “العدو المشترك”.
في نهاية المطاف، يظل هذا التوجه خطرًا ليس فقط على المسلمين في الغرب، بل على القيم الديمقراطية ذاتها، حيث يؤدي إلى ترسيخ سياسات الفصل والتمييز، وتعزيز مناخ من الكراهية والخوف، مما يهدد استقرار المجتمعات الغربية على المدى الطويل.
Laisser un commentaire