,

فلسطين، مرآتنا: هزائمنا بدأت من عواصمنا لا من حدودنا

لم تقتصر معاناة الشعوب العربية على الهزيمة في فلسطين، بل امتدت إلى الداخل، حيث عاشت تحت أنظمة استبدادية مهترئة، داخل هياكل سياسية عاجزة، وتحت ثقافة رسمية جعلت من قمع الحريات أولوية على حساب بناء مجتمعات حرة، خلاقة، قائمة على المواطنة والعدالة. في الحقيقة، فإن الهزيمتين – الداخلية والخارجية – مترابطتان، حيث كانت الأولى الشرط الموضوعي للثانية.

منذ نكبة عام 1948، وحتى موجات التطبيع المهينة التي بلغت ذروتها باتفاقيات إبراهيم، لا يزال السؤال مطروحًا بإلحاح: كيف استطاع كيان صغير، محاط بدول عربية عديدة، أن يفرض إرادته، بينما تراجعت الأمة إلى موقع العاجز أو المُطبّع؟

الجواب لا يكمن فقط في موازين القوى أو في التحالفات الدولية، بل في اختلالات داخلية عميقة شلّت قدرة العالم العربي على الفعل والمقاومة. من الاستبداد إلى الفساد، ومن التخلّف المعرفي إلى كبت المجتمع المدني، وصولاً إلى التطبيع السياسي، تتكشف صورة شاملة لأمة انهزمت من الداخل قبل أن تُهزم من الخارج.

الاستبداد: حين يُغتال الإنسان في روحه وكرامته

قضت الأنظمة الاستبدادية على الحريات العامة والفردية، وهو ما شكّل القيد الأكبر أمام تطور المجتمعات العربية. فغياب الفضاءات الحرة للنقاش والتعبير جعل المواطن العربي محاصرًا داخل وطنه، مسلوب الإرادة، غريبًا في بلاده. تم إخماد كل صوت نقدي، وتجريم كل محاولة إصلاحية، وتجفيف منابع الإبداع، فباتت السياسة جريمة، والمواطنة تهمة، والحلم بالمشاركة تهورًا.

لم يُسمح لأي شعب عربي بممارسة حقه في اختيار حكامه أو مساءلتهم. فُرضت أنماط من الحياة القسرية، حيث يُطلب من الفرد الطاعة والصمت. حتى التجربة التونسية، التي كانت تُبشّر بربيع مختلف، أُجهضت وأُعيدت إلى المربع الأول. وهكذا، حول الاستبداد البلاد إلى سجون مفتوحة، ووأد أي إمكانية لبناء مقاومة شعبية صلبة. فكيف لمن لا يملك الحرية أن يناضل من أجل تحرير الآخر؟

الفساد: من خزائن الدولة إلى الحسابات الخاصة

قال الإمام الشافعي:  

« نعيب زماننا والعيب فينا، وما لزماننا عيبٌ سوانا »

الفساد في الدول العربية لم يكن استثناءً ولا عرضًا عابرًا، بل بنية قائمة، تقنّن نهب الثروات وتحمي الفاسدين. تحت غطاء الوطنية والشعارات الكبرى، سُرقت الأموال العامة، وتراكمت الثروات في يد قلة، بينما نُسفت فرص التنمية وتآكلت العدالة الاجتماعية.

لم يعد الفساد مجرّد استنزاف للموارد، بل صار حاجزًا بنيويًا أمام الإصلاح السياسي والاجتماعي. وكلما تغلغل في مفاصل المجتمع، زاد ارتهاننا للخارج، وانهارت قدرة الدولة على الصمود. فأنظمة مثقلة بالديون، مشلولة بالإفلاس، كيف لها أن تواجه مشروعًا استيطانيًا مدعومًا من القوى الكبرى؟

التخلّف المعرفي: العدو الصامت

من أخطر الأوبئة التي تنخر المجتمعات العربية: التخلّف العلمي والمعرفي والثقافي.  

غياب الحريات الفكرية أدى إلى تجفيف منابع الإبداع وتهميش العقل النقدي. في حين أن العالم المتقدم يستثمر في التعليم والبحث العلمي، تقبع الدول العربية في ذيل التصنيفات، بمناهج تعليمية تكرّس الطاعة وتُنتج أفرادًا تابعين لا مفكرين مستقلين.

التعليم العربي، في كثير من الأحيان، يشبه قيدًا فكريًا، يزرع الخوف من الاختلاف، ويخنق كل محاولة للخروج عن المألوف. أما الجامعات، فقد تحوّلت إلى مؤسسات بيروقراطية خاوية من دورها التاريخي كمحرّك للتغيير. وبدون ثورة فكرية معرفية، لا يمكن تصور مقاومة واعية قادرة على كسر القيود وتحدي المشروع الصهيوني.

كبت المجتمع المدني: وأد الطاقات وسحق المبادرة

المجتمع المدني، الذي كان يمكن أن يشكل رافعة للتحرر والوعي، تعرّض في العالم العربي لقمع ممنهج.  

فكل مبادرة فكرية أو سياسية أو ثقافية خارجة عن سلطة الدولة قُمعت، وكل صوت حر شُوّه أو كُتم. أصبحت الجمعيات والمؤسسات إمّا مكمّمة، أو أدوات تزيين للواجهة. في هذا المناخ، تلاشى الدور التاريخي للنخب المثقفة، وانفصلت كليًا عن واقع الشعوب، مما أفرز فراغًا هائلًا في القدرة على التأطير والتوجيه. وهكذا، لم يعد القمع فقط سياسيًا، بل بنيويًا، يستهدف وعي الناس قبل أجسادهم.

التطبيع: السقوط النهائي في مستنقع الهزيمة

ليست الهزيمة في المعارك وحدها ما يوجع، بل في التحولات الأخلاقية والسياسية التي حولت العدو إلى “شريك”، والمقاومة إلى “جريمة”.  

موجة التطبيع الأخيرة، التي بلغت ذروتها باتفاقيات إبراهيم، لم تكن نتيجة قوة إسرائيل بقدر ما كانت نتيجة ضعف داخلي، وخوف الأنظمة من شعوبها أكثر من خوفها من العدو. قُدّمت هذه الاتفاقيات باعتبارها “سلامًا”، بينما هي تجريدٌ من الكرامة وإعادة صياغة للهزيمة في قالب دبلوماسي.

لم تضع تلك الاتفاقيات حدًا للاحتلال، ولم توقف الاستيطان، بل منحت إسرائيل شرعية في محيطٍ عربي مفكك. وهنا تظهر الكارثة: حين يصبح الاحتلال مقبولًا، والمحتل شريكًا، فإن المعركة لم تعد معركة أرض، بل معركة وعي وهوية

من المحيط إلى الخليج: لا تحرير دون ثورة داخلية

ضاعت الكرامة العربية بين قبضة الاستبداد ويد الفساد، وتآكلت مفاهيم النضال والحرية في ظل أنظمة جعلت من الشعوب عبيدًا لا شركاء. قال أحد الشعراء:  

لن تجد في القلوب سوى الجراح  

ومعها بقايا حلم ضاع في الغياهب  

كنا نعيش بالأمل والعزة  

واليوم نحيا في العدم، في صمتٍ قاتل

إن تحرير فلسطين لا يمر فقط عبر الجبهات العسكرية، بل يبدأ من تحرير الإنسان العربي من قيود الاستبداد والجهل والهيمنة. فالنصر، قبل أن يكون جيوشًا، هو مشروع جماعي للنهضة. وكل نظام لا يربط بين كرامة شعبه وكرامة الأمة، لن يكون أبدًا جزءًا من مشروع التحرير، بل عقبة في طريقه.

Laisser un commentaire

Comments (

0

)