,

لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيًّا، ولكن لا حياةَ لمن تُنادي!

بهذا البيتِ الشعريِّ الموجِعِ، الذي يَنضحُ ألمًا ويُجسّدُ خيبةَ الأملِ، نُوجِزُ صميمَ المأساةِ الفلسطينيةِ في تفاعُلِها معَ الأنظمةِ العربيةِ. فمُنذُ نكبةِ عامِ 1948، تَجلّتْ فلسطينُ قضيّةً محوريةً في الضميرِ العربيِّ، بيدَ أنّ هذهِ المركزيةَ لم تُترجَمْ إلى مواقفَ سياسيةٍ فاعلةٍ، بل ظلتِ القضيةُ تتأرجحُ بينَ شعاراتٍ جوفاءَ وخطاباتٍ مُكرّرةٍ، في حينِ تواطأتْ أنظمةٌ عربيةٌ، سرًّا وعلانيةً، معَ القوى الاستعماريةِ والصهيونيةِ، ممّا أسهمَ في إطالةِ أمدِ الاحتلالِ وتعميقِ مُعاناةِ الشعبِ الفلسطينيِّ.

خيانةُ الأنظمةِ العربيةِ: من رنينِ الشعاراتِ إلى وَقعِ التطبيعِ

على امتدادِ العقودِ الماضيةِ، استغلَّ العديدُ منَ الزعماءِ العربِ القضيةَ الفلسطينيةَ كأداةٍ سياسيةٍ لكسبِ شرعيةٍ داخليةٍ أو للتغطيةِ على إخفاقاتِهم في إدارةِ أوطانِهم. رُفِعتِ الشعاراتُ الطنّانةُ، وعُقِدتِ القممُ التي لم تُسفرْ إلّا عن بياناتِ إدانةٍ واستنكارٍ، بينما كانت الأوضاعُ على الأرضِ تزدادُ قتامةً. ومع مرورِ الزمنِ، انتقلتْ بعضُ الأنظمةِ من الخذلانِ الصامتِ إلى الخيانةِ العلنيةِ، حيث انخرطتْ في موجةِ التطبيعِ معَ الكيانِ الصهيونيِّ تحتَ ذرائعَ واهيةٍ، كالسلامِ الإقليميِّ أو المصالحِ الاقتصاديةِ. 

التطبيعُ، الذي بدأَ خُفيةً معَ بعضِ الأنظمةِ مُنذُ عقودٍ، تحوّلَ في السنواتِ الأخيرةِ معَ ضخِّ الولايات المتحدة الأمريكية ومشروعِ إتفاقية إبراهيم إلى سياسةٍ رسميةٍ لعددٍ منَ الدولِ العربيةِ، في قطيعةٍ تامّةٍ معَ المبادئِ التي رُفِعتْ لعقودٍ. لم يقتصرِ الأمرُ على الاعترافِ الدبلوماسيِّ، بل تجاوزهُ إلى التعاونِ الأمنيِّ والعسكريِّ، ممّا جعلَ الاحتلالَ الإسرائيليَّ أكثرَ قوةً وجُرأةً في تنفيذِ مخططاتِهِ الاستيطانيةِ والتهويديةِ.

الشعبُ الفلسطينيُّ بينَ لهيبِ المقاومةِ ووحدةِ الغربةِ

رغمَ هذا الخذلانِ العربيِّ، ظلَّ الشعبُ الفلسطينيُّ مُتمسّكًا بحقِّهِ في المقاومةِ، مُؤمنًا بأنَّ تحريرَ الأرضِ لا يمكنُ أنْ يتحققَ إلّا بإرادةِ أبنائِها. فمنذُ الانتفاضاتِ الشعبيةِ وصولًا إلى المقاومةِ المسلحةِ، أثبتَ الفلسطينيونَ أنَّ الاحتلالَ لا يمكنُ أنْ يستمرَّ ما دامَ هناكَ شعبٌ يرفضُ الخضوعَ. لكنْ في المقابلِ، وجدَ الفلسطينيُّ نفسَهُ في عزلةٍ مُتزايدةٍ، مُحاصرًا منَ الاحتلالِ من جهةٍ، ومنَ الأنظمةِ العربيةِ المُتخاذلةِ من جهةٍ أُخرى. 

لقد تحوّلتْ بعضُ الأنظمةِ العربيةِ إلى أدواتِ ضغطٍ على الفلسطينيينَ بدلًا من أنْ تكونَ سندًا لهم، فساهمتْ في فرضِ الحصارِ على غزةَ، وشاركتْ في تضييقِ الخناقِ على المقاومةِ، وأصبحتْ تنظرُ إلى القضيةِ الفلسطينيةِ كعبءٍ يجبُ التخلصُ منه، لا كقضيةِ تحررٍ وكرامةٍ عربيةٍ.

« لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيًّا »… فهلْ من مُجيبٍ؟

الشعبُ الفلسطينيُّ يُنادي أُمّتَهُ فلا يجدُ إلّا الصمتَ أو الخذلانَ. فكم من نداءِ استغاثةٍ خرجَ من غزةَ المُحاصرةِ؟ وكم من صرخةِ ألمٍ أطلقَها الأسرى في سجونِ الاحتلالِ؟ وكم من طفلٍ استُشهدَ وهو يرفعُ علمَ فلسطينَ؟ لكنْ من يسمعُ؟ ومن يستجيبُ؟

رغمَ كلِّ ذلك، فإنَّ القضيةَ الفلسطينيةَ لمْ ولنْ تموتَ، لأنَّها ليستْ مُجرّدَ قضيةٍ سياسيةٍ، بل هي قضيةُ حقٍّ وعدالةٍ وكرامةٍ. وحتى إن خذلتْها الأنظمةُ، فإنَّ الشعوبَ العربيةَ لا تزالُ تُؤمنُ بعدالتِها، وتُدركُ أنَّ فلسطينَ ليستْ للبيعِ، وأنَّ المُحتلَّ إلى زوالٍ مهما طالَ الزمنُ.

فيا فلسطينُ، إنْ كانوا قد باعوكِ، فهناكَ من لا يزالُ يُؤمنُ بكِ، وهناكَ أحرارٌ لا تشتريهم صفقاتُ المُطبّعينَ، ولا ترهبُهم تحالفاتُ الخونةِ. فإنْ كانَ الأمواتُ لا يسمعونَ، فإنَّ الأحياءَ قادمونَ، وإنَّ الفجرَ مهما تأخّرَ، فلا بُدَّ أنْ يبزغَ.

Laisser un commentaire

Comments (

0

)