,

الفوز هو الإله : تشريح العقلية التي تضع المال فوق القانون

بعد عامٍ عاصفٍ بالقرارات والتصريحات المُفجِرة، لم يعد التعامل مع دونالد ترامب كمُجرد ظاهرة طارئة أو مفاجئةٍ مقنعاً. لقد انقشعَ غبارُ الصدمة الأولى، وآنَ الأوانُ لسؤالٍ أكثر إلحاحاً وعمقاً: مَنْ هو هذا الرجلُ الذي يُحدِّثُ العالمَ بلغته؟

وإلى أيّ كَوْنٍ أخلاقيٍ وسياسيٍ ينتمي خطابُهُ المنفلِتُ؟

ما سُمِّيَ في الدوائر الإعلامية بِـ«الترامبيّات» ليس هفواتِ لفظٍ عابرة، بل منظومةٌ لغويةٌ مُتكاملة، تُجسِّد رؤيةً للعالم واضحةَ المعالم. إنها قاموسٌ يفضحُ فلسفةً في الحُكم، تختزلُ القوةَ مُنطلقاً، والمصلحةَ غايةً، واللُّغةَ أداةً للفرض لا للتفاهم.

القناعُ المَهُور: وَجهُ السياسةِ الحقيقي

لم يستنبط ترامب لغةً جديدة، بل شرَّعَنَ ما كانَ مقبولاً في الظلِّ. حوَّلَ الهمسَ إلى صراخٍ، والاستثناءَ إلى قاعدة. ليست «الترامبيّات» انزياحاً عن المألوف، بل إعلاناً صريحاً عن المألوف الجديد: عالمٍ تُصبح فيه القسوةُ مقبولة، والإقصاءُ مشروعاً، والحقيقةُ سلعةً قابلةً للتشكيل.

اللُّطفُ: عارٌ يُهدِّدُ البقاء

عندما يعلن ترامب أن «اللُّطْفَ» يُمكن أن يُؤدِّي إلى «تَوَقُّفِ البلد عن الوجود»، فهو يبلور نواةَ رؤيته: الرحمةُ عجزٌ، والتعاطفُ خَطَرٌ، والأخلاقُ رفاهيةٌ لا تتحمّلها معركةُ البقاء. السياسةُ هنا صراعٌ وجوديٌ بوحشية الغابة، لا فضاءً لإدارة الاختلاف.

الفوزُ: الإلهُ الوحيد

في عالَمِهِ، الهزيمةُ هي الخطيئة الكبرى. «الفوزُ» مُقدَّسٌ فوق القانون، وفوق العدالة، وفوق الحقيقة. حتى التعذيبُ لا يُحاكم بموازين الأخلاق، بل بمعايير الجدوى: هل هو «ناجحٌ»؟ هكذا تُسقَطُ القِيَمُ من حسابات القوة.

القانونُ: خادمُ المصلحةِ الخاصّة

هنا تبلغ الفلسفة التراكمية ذروة خطرها: القانونُ لا سلطانَ له إلا إذا انسجمَ مع «الشعور الشخصي بالعدالة» أو المصلحة الفردية. هذه الرؤية تشرعِن الفوضى، وتضعُ السلطةَ فوق النقد، وتجعل المجتمع رهينةً لأهواء الأفراد. الخطر الأكبر ليس في مَنْ يرفض القانون، بل في مَنْ يصمتون أو يبرّرون.

الثروةُ: براءةٌ مُطلَقة

المالُ ليس وسيلةً للعيش، بل دليلُ تفوُّقٍ أخلاقيٍ. الغنى برهانُ جدارةٍ، والفقرُ دليلُ إخفاق. فالدولةُ شركةٌ كبرى، والرئاسةُ صفقةٌ استراتيجية، والمواطنُ عميلٌ أو زبون. والحقوقُ نفقاتٌ يجب خفضها. في هذه الحسابات، يصبح تضاربُ المصالح دليلاً على البراعة، والثروةُ تبريراً لكلِّ فعل.

المهاجرون: أرقامٌ مُخيفةٌ بلا وَجه

يظهر المهاجر في خطابه ككيانٍ مُجرَّد، حزمةٌ من التهديدات: إجرامٌ، استنزافٌ، اغتصاب. وإذا جاءت عبارة «بعضهم طيبون»، فهي مجرّد هامشٍ زخرفيٍ لا يُغيّر من صلب الخطاب القائم على الخوف والتجريم. الجدارُ العظيمُ ليس حجراً فقط، بل هو تجسيدٌ لفلسفة العُزلة والخوف: عالمٌ مُقَسَّم إلى حصنٍ نقيٍّ وبرّيةٍ خطِرة.

العِلمُ: خصمٌ في مجلس الحرب

الحقيقةُ العلميةُ في مواجهة السردية السياسية: التغيّر المناخي «خدعة»، والوباءُ فرصةٌ للاتهام، والعالِمُ مُشكوكٌ في ولائه. الواقعُ مُطالَبٌ بالانحناء للرواية، لا الروايةُ للواقع. الحقيقةُ هنا مرنةٌ، قابلةٌ للطيِّ والتحريف.

النساءُ والأقليات: شرطٌ ضمنيٌ اسمهُ الصَّمت

«الحمايةُ» تُمنَح للمرأة في إطار عقدٍ أبويٍ: الطاعةُ مقابل الأمان. والأهليةُ تُختزَل في الزواج والإخلاص. كذلك الأقلياتُ مرحَّبٌ بها كديكورٍ بشريٍّ، طالما بقيت ضمن الإطار المُحدَّد، دون مطالبَ تُغيّر المشهد. الاعترافُ منَّةٌ، لا حقٌّ.

الفلسطينيُّ: الغائبُ المُتعَمَّد

القضية الفلسطينية لا تُحذَف لأنها غير ذات أهمية، بل لأنها تتعارض مع منطق القوة والصفقة. التَّجاهلُ هنا أداة إبادة رمزية. نقلُ السفارة إعلانٌ بأنَّ الواقع يُصنَعُ بالقرار الأحادي، وأنَّ ما يُنكَر يزول. الاحتلالُ يصبح «نزاعاً»، والشعبُ يُمسي تفصيلاً ثانوياً في «صفقة القرن».

ما بَقِيَ حين تسقطُ الأقنعة

عندما تتحول اللُّطافةُ إلى عَارٍ، والحقيقةُ إلى رأيٍ، والاحتلالُ إلى تفصيلٍ، والمالُ إلى معيارٍ أخلاقيٍ، والقانونُ إلى خادمٍ للمصلحة… فما الذي يتبقّى من معنى «العظمة» غير الضجيج؟

يبقى الجدارُ.

وتبقى الكلماتُ… لا لتُفسِّر الوجود، بل لتُبرِّرَ قسوته.

والمعضلةُ الحقيقيةُ ليست في أنْ يتكلّمَ ترامب، بل في أن يصغي العالمُ لخطابه، ثمّ يُداريَ وجهَه وكأنَّ شيئاً لم يكُن.

Laisser un commentaire

Comments (

0

)