, ,

تونس ومكافحة الفساد: من ريادة مهدورة إلى فراغ مؤسسي مقلق

الفساد ليس قضية أخلاقية، بل هو خلل في الحوكمة والإدارة.

تاريخياً، منذ عهد الرئيس الراحل حبيب بورقيبة مروراً بعهد بن علي وحتى يومنا هذا، استُغل خطاب مكافحة الفساد أحياناً كأداة للانتقام من خصوم سياسيين. ومع بروز وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الفساد أكثر وضوحاً في المجتمع، وتبيّن أن مقاومته لا تنجح بالخطابات الأخلاقية أو الحملات الإعلامية، بل عبر هندسة مؤسساتية وقانونية منهجية تعتمد على آليات واضحة ومستدامة. هذه الآليات موجودة دولياً، وما تحتاجه تونس هو الإرادة السياسية لتطبيقها، لأن الفساد لا يميّز بين الأقارب أو الحلفاء، ومن هنا ضرورة إخراجه تماماً من يد السلطة التنفيذية.

الاقتصاد والقضاء والشرطة والصحة والرياضة والثقافة وسائر القطاعات في تونس بحاجة إلى جعل مكافحة الفساد أداة منهجية للحكم لا وسيلة للتوظيف السياسي. حان الوقت لأن تصبح هذه الآليات روتيناً في معالجة الملفات، فهي شرط أساسي لاستعادة ثقة المواطنين والمستثمرين في الدولة.

قبل سنوات قليلة، كانت تونس نموذجاً عربياً واعداً، مع هيئة وطنية فاعلة، تشريعات حديثة، آليات للإبلاغ عن الفساد، وانفتاح غير مسبوق للنقاش العام حول الشفافية والحوكمة. لم يكن كل شيء مثالياً، لكنه كان بداية دولة تبني مناعة مؤسساتية.

اليوم، تبدو الصورة مقلوبة. المنظومة تفككت قبل أن تكتمل، وتحولت مكافحة الفساد إلى أداة بيد السلطة، واستُبدلت المؤسسات المستقلة بخطاب أخلاقي استعراضي لا يعالج عمق المشكلة.

تونس التي كانت تتقدّم… ثم توقفت

منذ 2011، اعتبرت المنظمات الدولية أن تونس تسير في الاتجاه الصحيح:

• إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد

• سن قوانين لحماية المُبلّغين عن الفساد

• اعتماد التصريح بالمكاسب

• انفتاح النقاش العام حول الشفافية

لكن هذا المسار توقّف فجأة. وبحل الهيئة الوطنية في 2021 دون بديل أو إصلاح، سقط حجر الأساس الذي بُنيت عليه التجربة التونسية.

فراغ مؤسسي وخطر الرقابة الانتقائية

إلغاء أهم مؤسسة رقابية دون بديل يفسح المجال لخطاب أخلاقي يُستخدَم لتبرير غياب المنهجية. فالفساد لم يعد ظاهرة اجتماعية فحسب، بل أصبح أداة للسيطرة السياسية، حيث:

• يُستهدف من يزعج السلطة

• يُستثنى من يحتاجه النظام

• يُتجنَّب من يملك القدرة على الرد

• يُستغل من يمكن توظيفه

بهذه الصورة تتحول العدالة إلى لعبة انتقائية، ويصبح الفساد أداة حكم بدل أن يكون مشكلة مؤسساتية.

إعادة بناء الثقة: الحل مؤسساتي

لكي تستعيد تونس موقعها الريادي في مكافحة الفساد، لا بد من:

• تفعيل هيئة مستقلة بميزانية وسلطة واضحَين، وتوفير حماية قانونية حقيقية للمُبلّغين

• تعزيز القضاء المالي والإداري وحمايته من التدخلات

• تعميم الرقابة الداخلية على كل الهيئات دون استثناء

• القطع مع الانتقائية وجعل الإجراءات فوق الأشخاص

• اعتماد قواعد شفافة للتعاقدات والتعيينات

• ضمان عدم تعرض المُبلّغين لأي انتقام

العودة إلى الريادة ممكنة

بإرادة سياسية حقيقية وإصلاح مؤسسي، يمكن لتونس أن تستعيد موقعها كنموذج إقليمي في مكافحة الفساد إذا:

• استُبدل الخطاب الفضفاض بإجراءات قانونية جادة

• استُبدلت الشعارات بمؤسسات قوية

• استُبدلت الانتقائية برقابة شاملة

• استُبدل التخوين بالنقد البنّاء

الفساد ليس مجرد مسألة أخلاقية، بل خلل نظامي يُصلح بالقانون والمؤسسات، لا بالوعظ أو الحملات الشعبوية. مكافحته ليست معركة بين «خونة» و«وطنيين»، بل هي هندسة دقيقة تحمي الدولة والمواطنين، وتعيد الثقة بأن القانون هو أساس العقد الاجتماعي، لا أداة للانتقام السياسي أو للدعاية.

Laisser un commentaire

Comments (

0

)