,

حين يصبح العبث نظامًا: تونس بعد خمس سنوات

لقد أصبحت السوفسطائية والتكرار العقيم هما الركيزتان اللتان تستندان إليهما أركان السلطة في تونس. يُستدعى «الشعب» كشاهدٍ لم ير شيئًا على الإرادة دون أن يُساءل عن مراده، ويُعلن عن «استعادة السيادة» بينما هي تتبخر في وهج العزلة وظلمة الخوف. فبعد خمس سنوات على 25 جويلية 2021، تحوّلت تونس، التي كانت يومًا منارة الديمقراطية في العالم العربي، إلى مختبر للهدم المنهجي. مؤسسات معطلة، ذاكرة وطنية مُمحاة، صحافة مُكمَّمة، واقتصاد يترنح؛ لم يعد العبث حادثًا عارضًا، بل أصبح منهجًا ضابطًا للحكم.

كان في تونس زمن تتنفس فيه الحياة العامة عبر جدل الاختلاف ونبض النقاش. أما اليوم فلم يعد ثمّة سوى نفس واحد، هو نفس رجل يتحدث باسم شعبٍ أسطوري لم يره أحد. يقدم قيس سعيد نفسه حارسًا للجمهورية، لكنه لا يفعل سوى أن يستبدلها بظله المنفرد. يقرر ويفسّر ويحكم ويعاقب. أما التصفيق، فليس علامة على الرضا بقدر ما هو تكتيك للبقاء في بلد صار فيه الصمت غريزة دفاع. وهذا الصمت أشد خطرًا من القمع ذاته، إذ إنه يُفَتّت نسيج المجتمع ببطء، ويحوّل الخوف إلى عادة يومية.

شارع بلا روح

منذ عام 2021 تُدار تونس بقبضة رجل واحد. حُلّ البرلمان، عُلّق المجلس الأعلى للقضاء، وجُمِّدت البلديات. حتى البنك المركزي تجرّد من استقلاليته، لتغدو السياسة الاقتصادية أداة طيعة في يد الحاكم المنفرد. لم تعد القوانين تُولد من رحم الحوار، بل صارت انعكاسًا لمشيئة الفرد. وهكذا تقلصت الجمهورية حتى لم يبقَ سوى خطاب أجوف تُكرّر مفرداته لتُخفي فراغه المخيف.

تبرّر السلطة أفعالها كافة باسم الشعب، لكنها في الحقيقة تسلبه صوته. تتحدث عن الشفافية بينما تغرق في الغموض المطبق، وتدّعي الشرعية الشعبية لتقوّض المؤسسات التي هي عماد تلك الشرعية. إنه نظام حلقي مغلق، يستمد شرعيته من ذاته، ويعيش على ترديد كلماته، بلا منطق يُحتذى ولا مساءلة تُحتَرم.

الاقتصاد: مرآة العبث التي لا تكذب

الاقتصاد التونسي اليوم لا يُدار بعلم، بل يُروى بخطاب. تُعلن الأرقام كأنها فتوحات وإنجازات، لكنها في جوهرها مؤشرات لانهيار وشيك. فبحسب تقرير  الأخير، يبلغ النمو 2.5% هذا العام، ارتفاعًا من 1.4%. غير أن هذه الأرقام ليست إلا قناعًا مؤقتًا يخفي جرحًا غائرًا. تحسّن مرده موسم فلاحي وفير، وانتعاش سياحي عابر، وتراجع في أسعار النفط، ليس أكثر. وبدون إصلاحات هيكلية جذرية ستتراجع نسبة النمو إلى 1.4% فقط بحلول عام 2030، وهي الأدنى في منطقة شمال إفريقيا.

لقد تراجع الاستثمار إلى 13% من الناتج المحلي بعد أن كان يشكّل ربع الاقتصاد قبل عقد من الزمان، وسيَنحدر إلى أقل من 10% في السنوات القادمة. وهذا الرقم، على جفافه، يحمل دلالة أخلاقية عميقة: بلد لا يستثمر هو بلد فقد الثقة في مستقبله. أما الادخار الوطني فقد هوى إلى أدنى مستوياته منذ الاستقلال، فيما يعيش القطاع الخاص في حالة شلل وغياب كامل للثقة.

وتتضخم الديون العامة لتبلغ أكثر من 90% من الناتج المحلي بحلول عام 2030. فالدولة تستدين لتدفع الأجور، وتطبع النقود لتشتري الوقت، وتستبدل الإنتاج بخطاب صاخب. كل شيء مؤجل، إلا شبح الانهيار.

بلغ العجز التجاري 16.7 مليار دينار، أي ما يعادل 13% من الناتج المحلي، في وقت تتراجع فيه الصادرات إلى ما يقارب الصفر. تستورد تونس غذاءها ودواءها وحتى أدواتها الزراعية، ثم تتحدث عن «السيادة الغذائية». إنها سيادة رمزية لبلد يعتمد على الآخرين في كل شيء إلا في صناعة الخطابة.

أما التضخم فقد صار ضريبة غير معلنة تُثقل كاهل الفقراء. سيصل إلى 9% في عام 2030، فيما لم يستعد التونسيون بعد قدرتهم الشرائية التي فقدوها منذ عام 2019. وهكذا تتحول الكرامة إلى شعار فارغ، وتستبدل العدالة الاجتماعية بوعود تُؤجّل إلى أجل غير مسمّى.

العقل في المنفى

ليس الاقتصاد وحده من ينهار، بل الفكر أيضًا. جامعة واحدة فقط — تونس المنار — بقيت ضمن تصنيف أفضل ألف جامعة في العالم. البحث العلمي غائب، والعقول تُهاجر، والجيل الجديد لا يرى في بلده إلا محطة عبور مفتوحة باتجاه المجهول. إنها هجرة العقول قبل هجرة الأجساد، وفقدان للمعنى قبل فقدان المال.

الذاكرة: سلاح النسيان

أدركت السلطة أن شعبًا بلا ذاكرة هو شعب يسهل التحكم فيه. تمحو الرموز الوطنية أو يعاد تأويلها: عيد الاستقلال، عيد الجمهورية، وحتى ذكرى الثورة أصبحت طقوسًا رئاسية بلا روح. يُعاد سرد التاريخ بصيغة المفرد ليُمحى الجمع من الوعي الوطني. إنها سياسة ممنهجة لتدمير المعنى، لأن السلطة تخاف من الذاكرة أكثر مما تخاف من المعارضة.

الصحافة والمجتمع المدني: الصمت خيار رسمي

تراجعت تونس إلى المرتبة 129 في تصنيف حرية الصحافة لعام 2025. الصحفيون مهددون، الجمعيات مطاردة، والمعارضون في السجون — أكثر من خمسين شخصية سياسية قيد الاعتقال. أصبح الخوف لغة يومية، وتُوزن الكلمة بميزان العقاب. لم تعد الرقابة تفرض من فوق، بل استقرت في النفوس: رقابة ذاتية تصنعها الرهبة واليأس. صحراء سياسية تمتد، لا صوت فيها إلا صوت الرئيس، يتحدث باسم «شعب» لم يعد موجودًا إلا في خطبه.

الخراب والهاوية

خمس سنوات كانت كافية لتحويل وعد ديمقراطي إلى مأساة مدنية. الدولة التي كانت أملًا للمنطقة تحولت إلى مرآة لانكساراتها. ينهار الاقتصاد، تنزف الكفاءات، تتشظى الروابط الاجتماعية، ويترسخ الإحساس بأن العبث لم يعد استثناءً، بل بات قاعدة الحكم الراسخة.

الخطر لم يعد في القمع وحده، بل في تطبيع العبث كأفق وحيد، وفي استسلام العقول لدوامة العجز والرضا السلبي. ومع ذلك سيسقط هذا النظام يومًا تحت ثقل تناقضاته، كما تسقط كل الأنظمة التي تبني سلطتها على الوهم الزائف. لكن الجريمة الأكبر للعبث هي إقناع الناس بأنه لا شيء يستحق الإنقاذ.

ومع أن الخراب واسع، يبقى الأمل ممكنًا: في إعادة بناء المؤسسات، واستعادة الذاكرة الحية، وإحياء الثقة المفقودة. فذات يوم كانت تونس وعدًا. واليوم صارت إنذارًا.

Laisser un commentaire

Comments (

0

)