في مجتمعاتنا قد يسقط المستبد عن عرشه عام 1987 أو عام 2011، لكن روح الاستبداد تبقى حيّة في نفوس من اعتادوا الخنوع والتواطؤ. فالاستبداد ليس كما صُوِّر كل مرة شخصًا واحدًا يُزيَّن بالخطابات والصور، بل هو منظومة من الأيادي الملطَّخة والضمائر الميّتة.
الاستبداد لا يقوم بالحاكم وحده، بل بمن يتسابقون إلى إرضائه، وبمن يتجاوزون أوامره ليبرهنوا على ولائهم.
هو شبكة من الموظفين الذين يحوّلون التعليمات الجائرة إلى أوراق رسميّة مختومة. وفي الحقيقة هم في موقف صعب يقفون بين المطرقة والسندان: مطرقة السلطة التي تطلب دومًا مزيدًا من الولاء والوطنية الكاذبة، وسندان الضمير الذي يذكّرهم بأنّ الدولة ملك للجمهورية لا لفرد واحد. لكن كثيرين يختارون النجاة الفردية على حساب الخيانة الجماعية. وهكذا، بدل أن يكونوا حماة للمصلحة العامة، يتحولون إلى أدوات في يد الحاكم. هذه الحقيقة المرة.
الطاعة العمياء والوطنية الزائفة
ولا شيء أخطر من أولئك الذين يبرّرون ظلمهم بالطاعة! يقول أحدهم: “أنا مأمور”، ويقول آخر: “القانون يفرض”. لكنّ الحقيقة أنّ كثيرًا منهم يجدون في الأوامر فرصة لإطلاق نزعاتهم الخفية.
هكذا يتحول “احترام القانون” إلى مسرحية رديئة، أبطالها منافقون يختبئون خلف قناع الواجب. وهم في الحقيقة لا يحمون الوطن ولا يخدمون الدولة، بل يخدمون غرورهم ومصالحهم الشخصية.
هنا يظهر المعنى الحقيقي للمطرقة والسندان: السلطة تدفعهم إلى الطاعة العمياء، وضمائر بعضهم التي لا تزال حية تأمرهم بالتوقف. لكنهم، بدل أن يصمتوا على مضض، يذهبون أبعد، يتلذذون بالانصياع، ويتحوّلون إلى شركاء لا إلى ضحايا.
جمهورية الضمير أم جمهورية الطاعة العمياء؟
إن بلادنا لن تنهض ما دام الانضباط يُحوَّل إلى وسيلة للقمع، وما دام الانتهازيون يختبئون وراء النصوص ليخنقوا العدالة باسم العدالة نفسها، وما دام “الولاء” يُقاس بدرجة الخضوع لا بدرجة النزاهة.
الجمهورية الصحيحة لا تُبنى على الألسن التي تردّد: “نفّذ بلا ناقش”، بل على ضمائر تقول: “هذا ظلم ولن أشارك فيه”.
هي لا تُبنى على الموظف الذي يهرع إلى تلبية رغبة الحاكم، بل بالقاضي الذي يجرؤ على مواجهة البطالة.
هي لا تحتاج إلى مرتزقة يُظهرون ولاءً زائفًا، بل إلى رجال ونساء يعرفون أنّ الوطنية ليست طاعة للأقوى، بل نصرة للحق والأضعف.
إن الجمهورية التي نريدها هي جمهورية الضمير، حيث تكون الدولة في خدمة المواطن، لا المواطن في خدمة نزوات المتسلّط.
جمهورية يتراجع فيها الانتهازي الذي يختبئ وراء النصوص، جمهورية الموظف الفخور التي يبرز فيها الإنسان الذي يقول: “لا” في وجه باطل، مهما كلّف الثمن.
الحدّ الأدنى: الدولة فوق الحاكم
إن السؤال الجوهري ليس في شرعية أن تعبّئ الدولة مواردها لإنفاذ السياسات العامة، فهذا من طبيعة الحكم، بل في حدود هذه التعبئة: أين تنتهي شرعية الدولة وتبدأ شخصنة السلطة؟
هل يجوز أن تتحوّل أجهزة الإدارة إلى أذرعٍ شخصيّة، تدافع عن نزوات زعيم أو عقيدة حزبية؟
توظيف الدولة وأجهزتها لخدمة أفكارٍ أو نظرياتٍ ضيّقةٍ أو حزبٍ معينٍ غير مقبول.
حين يصبح الموظف عبارة عن مناضلٍ حزبيّ، يتلاشى الفارق بين الدولة والمؤسسة الحزبية، وتتحوّل الأمانة العامة إلى غنيمةٍ تُورّث وتُدار بمنطق الولاء لا بالكفاءة.
هذا الانحراف لا يقوّي الدولة، بل يُضعفها ويؤدي حتمًا إلى انهيارها: جهازٌ مؤدلجٌ عاجزٌ عن حماية الحياد، لا يستطيع أن يؤمّن الحقوق، ولا يضمن استمرارية الحكم على أساس القوانين، بل على أساس الولاء الشخصي، وهنا تبدأ دوامة التفكك.
إن الجهاز العمومي يُموَّل من عرق المواطنين، ومن حقّ المواطنين أن يضمنوا حياده في الحدود الدنيا: حماية الحقوق الأساسية، ضمان المساواة أمام القانون، صون كرامة الإنسان.
هذا هو الخط الأحمر الذي إن سقط، تحوّلنا من جمهورية إلى إقطاعية حديثة.
الاستقلالية الضامنة للديمقراطية
فالدولة ليست ملكًا للحاكم، ولا ساحة لتصفية حساباته أو فرض إيديولوجيته. الدولة جهاز مشترك، متعالٍ على الأشخاص، باقٍ بعد رحيلهم، لا يتغيّر بتغيّر وجوه القصر.
إن لم ندرك هذا، سنظل بين المطرقة والسندان: مطرقة سلطة عابرة وسندان ضمير مهدور.
لكن حين نرسّخ هذا الحد الأدنى، نستطيع أن نبني جمهورية الضمير، حيث تبقى مؤسسات الدولة ملكًا للجميع، لا غنيمة يتوارثها الأقوياء.
فلنؤكّد جميعًا أنّ استقلالية الإدارة ليست مجرد مطلب تقني، بل هي الدرع الذي يحمي الحقوق ويضمن العدالة والمساواة، وهي العمود الفقري لأي ديمقراطية حقيقية.
كل موظف يتحمّل مسؤولية أن يكون خادمًا للجمهورية، لا تابعًا لنزوات شخصية أو أيديولوجيات ضيّقة. الشرف في خدمة الدولة والمواطن لا في خدمة فرد معين مهما كان إيماننا وانضباطنا.
فلنرفع شعار جمهورية الضمير حيث الدولة ملك للمواطنين، وقوانينها صونٌ للحق.
الجهاز الإداري باقٍ والحاكم زائل، ولهذا فهو ليس ملكًا للحاكم، بل أمانة في يد من يخدمونه باسم الجمهورية.
ولنجعل كل “لا” شجاعة، وكل رفض للظلم حمايةً للمصلحة العامة، حتى نؤسّس مجتمعًا يحمي الحريات، ويصون الكرامة، ويصمد أمام كل أشكال الاستبداد والطاعة العمياء.
Laisser un commentaire