الزائر لأي بلد يبحث دائمًا عن أن يتشرّب شيئًا من ثقافته، من نموذجه الاجتماعي، من التحديات التي يعيشها أهله. أحب أن أقول إن أمام الزائر أمرين لا بدّ منهما: أن يشرب قهوة في السوق، وأن يأكل خبز البلد. لكن في كل زيارة لي لدبي، لا أجد معالمي. يهاجمني شعور متناقض: إعجاب بما تمّ إنجازه في قلب الصحراء، وقلق عميق أمام النموذج الاجتماعي الذي بُني هنا. هناك بشر من كل الجهات… لكن هل يصنعون مجتمعًا؟ السكان الأصليون شبه غير مرئيين، والآخرون شديدو التباين. إنها مدينة تعج بالحياة، لكنها حياة بلا ملامح مشتركة.
ثم تبدأ المدينة في كشف فلسفتها: دبي لا تعدكم بالمعنى، بل بالسرعة. لا تعدكم بالمجتمع، بل بالكفاءة. لا تعدكم بالإنسان، بل بالخدمات.
تخيلوا هذا المشهد البسيط – والعبقري بطريقته: تتركون سيارتكم مفتوحة في المرآب، تنامون بطمأنينة، وتستيقظون لتجدوا خزان البنزين ممتلئًا. لا حاجة للحديث مع موظف، أو لانتظار دور. تضغطون زرًا في الهاتف… وكأنكم تشكرون المدينة على كونها مدينة. هذه ليست رفاهية، بل مقدّمة لطريقة حياة كاملة: مدينة تتولى عنكم كل شيء، بشرط ألا تطلبوا منها شيئًا إنسانيًا.
هنا، الماضي لا يكفي لملء نصف صفحة. لكن دبي اكتشفت المعادلة الذهبية: إذا لم يكن لديك تاريخ… يمكنك دائمًا شراؤه.
هكذا ظهرت المتاحف كديكور للهوية، والمكتبات كمشروع هندسي يُغطّي فراغًا معرفيًا لم يطلب أحد تغطيته. الاستثمار في الثقافة سخاء يُثير الشك: هل تبني المدينة ذاكرة… أم واجهة على شكل ذاكرة؟
لكن خلف هذه الواجهات، يعلو نموذج اقتصادي فريد في صراحته: مدينة بلا بطالة… لأنها بلا عاطلين.
من يفقد عمله يُرحَّل. لا دعم اجتماعي، ولا حقوق، ولا وقت للتذمر. مدينة مثالية لا يشتكي فيها أحد… لأن من يشتكي يُعاد إلى المطار.
وبالمثل، ليست الجريمة هنا منخفضة بفضل الانسجام الاجتماعي، بل بفضل سياسة «الخطأ الأول… الرحلة الأخيرة». من يخطئ يُعاد إلى بلده قبل أن تحفظ الكاميرات وجهه.
أما الأطفال، فينشؤون على أيدي خادمات يعرفن أن مستقبلهم ليس هنا. الوالدان يعملان ويلاحقان الحلم، بينما تتولى العاملات التربية. نموذج عملي جدًا… لكن بلا جذور.
في الحياة اليومية، ستكتشفون أن دبي لم تجعل الترفيه سلعة… بل سياسة دولة. المولات أكبر من الذاكرة البشرية، المطاعم تتكاثر أسرع من القدرة على الهضم، الفعاليات تتبدل أسرع من الفصول. كل شيء مصمم ليمنعكم من رفع رؤوسكم والسؤال: «ما الذي نفتقده هنا؟»
طبقات أربع… لا تختلط إلا في المصاعد
- المواطن: صاحب الأرض والقرار.
- الوافد المحترف: يعيش رفاهية مؤقتة تحت سقف هش.
- العامل المهاجر: العمود الفقري الذي لا يُسمح له أن يكون رأسًا.
- السائح: ذلك الكائن المبهور، الذي يُطلب منه شيء واحد فقط: أن يفتح محفظته.
يقضي أيامه في مراكز تسوّق سريالية، تتعايش فيها الثلوج مع الصحراء، وتُباع فيها كل سلع الأرض… ما عدا سلعة واحدة: الإنسان.
كل ما يخطر على بال بشر يمكن أن يجده السائح هنا، إلا شيئًا واحدًا لا يُعرض في الواجهات ولا يُسوّق كمنتج: الإنسانية نفسها.
لا مواطنة، بل تراخيص.
لا مجتمع، بل شرائح إقامة.
لا جذور، بل تجديدات سنوية.
وفي بلد تلمع فيه الأبراج، تُصبح الحرية خدمة باشتراك شهري:
كلما اتسعت مساحات الرفاهية، ضاقت مساحات الكلام.
يمكنك أن تشتري أي شيء… إلا رأيًا حرًا.
ورغم كل ذلك، يجب الاعتراف: دبي تحررت من لعنة النفط، وأصبحت مركزًا ماليًا عالميًا. لكنها لم تتحرر من هشاشة البشر الذين يشغّلون ماكينة النمو: العامل القابل للاستبدال، الوافد القلق على إقامته، والسائح الذي يقرر مصير الاقتصاد بحجم نفقاته.
السؤال الحقيقي الذي تخشاه المدينة ليس سياسيًا ولا اقتصاديًا، بل إنساني:
هل يمكن لمدينة بلا مجتمع أن تصمد؟
هل يمكن لنموذج يلمع لأنه لا يسمح لأي شيء أن يلمسه… أن يستمر إذا قرر العالم أن البشر ليسوا ملفات يمكن حذفها؟
دبي هي أجمل نسخة لما يمكن أن يصنعه رأس المال حين يتحرر من كل قيد: مدينة بلا بطالة، بلا جريمة، بلا فقراء، بلا ماضٍ. لكنها أيضًا مدينة بلا هدوء، بلا علاقة، بلا تاريخ يجعل العيش فيها أكثر من تجربة مؤقتة.
إنها معجزة انضباطية، مذهلة، مُصمَّمة بعناية هندسية تستحق الإعجاب… ومع ذلك، حين يمشي المرء فيها، يشعر بأن شيئًا أساسيًا ناقص: الإنسان.
مدينة تلمع… لكنها تقلق.
تدهش… لكنها تربك.
تُبنى بسرعة… وقد تتبخر بسرعة إن توقف الضوء.
Laisser un commentaire