بدأت السنة الدراسية الجديدة، ولم يتغيّر شيء.
الخطابات تتكرّر، والوعود تتكدّس، لكنّ المدرسة العمومية ما تزال تنزف في صمت.
كانت يومًا فخرَ الجمهورية التونسية، وقلبَها النابض، ووعدَها بالمساواة.
كانت البوّابة التي دخل منها أبناءُ الفلاحين والعمال إلى الجامعات، وصعدوا منها إلى الطبّ والهندسة والشعر والسياسة.
كانت مصنعَ الأمل وبوّابةَ الحلم.
أمّا اليوم، فقد أصبحت المدرسةُ التي وُجدت لتُزيلَ الفوارق، هي نفسها التي تُعمّقها وتُكرّسها.
تحوّلت من فضاءٍ للمواطنة إلى مرآةٍ للطبقية.
في قسمٍ متداعٍ في ضاحيةٍ من ضواحي العاصمة، خمسون طفلًا يتقاسمون الطاولات المتشققة، والسبّورة التي لم تُبدَّل منذ عقدين.
المعلّمُ، بعينين متعبتين، يُقسّم الطباشير كما يُقسّم الخبز.
يقول بصوتٍ خافتٍ ومرير: »ليست المشكلة في الأطفال، بل في الدولة التي فقدت إيمانها بالمدرسة. »
فمن يستطيع الهروب، يهرب.
إلى المدارس الخاصة، إلى المدارس الأجنبية، إلى ما يُسمّى بـ«مؤسّسات التميّز»، حيث يُباع التعليم كما تُباع السلع: كلّ شيءٍ بثمنه.
العائلاتُ تُقايض الحياة اليومية لتشتري مستقبلاً: تبيع سيارة، تؤجّل علاجًا، تستدين من أجل مقعدٍ مدفوعٍ في مدرسةٍ « نخبوية ».
المدرسة لم تعُد حقًّا، بل صفقة.
والعلم لم يعُد سلّمًا للترقّي، بل سلعةً في سوقٍ بلا روح.
في المقاهي، يتردّد السؤال ذاته:
– كم دفعتَ هذه السنة؟
– ألفي دينار… من غير الدروس الخصوصية.
ثمّ صمتٌ ثقيل، كأنّ الحديث عن التعليم أصبح حديثًا عن الدَّين.
لم تعُد المدرسةُ تصنعُ المعرفة، بل تصنعُ الفوارق.
أمّا الدولة، فقد استقالت من دورها التاريخي.
لم تَسقُط المدرسةُ صدفةً، بل سُقِطت عمدًا.
لقد قبِلت الدولةُ منطقَ السوق، وسلّمت التعليم لقوانين العرض والطلب.
تحت شعار « الإصلاح » تسلّل النيوليبرالية المتوحّشة إلى قلب النظام التربوي،
فحوّلت التربية إلى تجارة، والمعرفة إلى امتياز، والمعلّم إلى موظّفٍ بلا كرامة.
تحت هذا المنطق، كلّ شيءٍ يُقاس بالربح والخسارة، حتى عقل الطفل ومستقبله.
تراجع الاستثمار في المدرسة العمومية، وتجفيف الموارد، وإهمال البنية التحتية، كلّها لم تكن أخطاء، بل سياسة مقصودة:
دفع الناس إلى السوق، خطوةً بعد خطوة.
لكنّ الكارثة لم تقف عند التعليم الأساسي.
الآن، تتمدّد اليدُ نفسها نحو الجامعة.
الخصخصة تزحف، والشراكات التجاريّة تدخل الحرم الجامعي، والبحث العلمي يُقاس بعدد العقود لا بعدد الأفكار.
الجامعة التي كانت فضاءً للحلم والفكر والنقد، تُختزل اليوم في وظيفةٍ مؤقتةٍ بلا أفق، أو شهادةٍ للبيع في واجهة « القطاع الموازي ».
وهكذا، لم تَعُد المدرسةُ تصنع المواطنة، بل تُعيد إنتاج الامتياز.
من المدرسة الابتدائية إلى الجامعة، تُكرَّسُ الفوارق الطبقية نفسها.
أبناءُ الأغنياء يدرسون في مدارسَ مكيّفةٍ تُدرّس ثلاث لغات،
وأبناءُ الفقراء يحفظون الدروس في أقسامٍ باردةٍ بلا نوافذ.
وبين هذين العالَمين، تتصدّعُ تونس… لا في الجغرافيا، بل في الوجدان.
تَعِدُ الدولةُ بالإصلاح، وتطلق البرامج والمشاريع،
لكنّ المعلّمين يهاجرون، والمقاعد تبقى فارغة، والأسقف تتسرّب.
صمتُ الأقسام الخالية هو إعلانُ انسحابِ الدولة من آخر ساحات وجودها الاجتماعي.
ومع ذلك، ما زالت هناك شموعٌ صغيرةٌ ترفض الانطفاء:
معلّمٌ يُواصل التدريس بإيمانٍ لا يتزعزع،
وأمٌّ تُقبّل ابنها كلّ صباحٍ وتقول له:
« تعلّم يا بنيّ، فالعلمُ وحده يبقيك واقفًا. »
لكنّ هذا الضوء يبهت يومًا بعد يوم.
فالوطن الذي يتركُ مدرسته تموت، يتركُ نفسه يموت معها.
وما ينهار اليوم ليس نظامًا تربويًّا فقط، بل فكرةُ العدالة ذاتها.
كان يُقال إنّ النور يدخل من نوافذ المدرسة.
اليوم، يخبو ذلك النور لأنّ السوق أطفأه.
ما زال هناك متّسعٌ من الوقت للإنقاذ —
لا لترميم الجدران، بل لإحياء الضمير الوطني الذي جعل من التعليم يومًا تاجَ الكرامة.
تونس التي علّمت أبناءها أن المعرفةَ حرية،
لا يليق بها أن تبيع العلمَ في المزاد.
فإذا سقطت المدرسة العمومية، فلن تسقطَ مؤسسةً فقط،
بل ستسقط معها فكرةُ الجمهورية نفسها.
Laisser un commentaire