الحرّ في تونس لا يأتي فقط من الشمس. إنه اختناق. اختناق الخوف حين يُزاحم الهواء. اختناق الصمت حين يصير غريزة. اختناق الشك حين ينتشر أسرع من الحمى. في هذا الجو الموبوء، تتكدّس الأسماء. لا يجمعها سوى جرأتها على التفكير، ووقاحتها في الجهر بما تفكر.
سنية الدهماني، أدينت لأنها قالت. أحمد الصواب، طُورد لأنه استشهد بالقانون. وغابة من الأسماء الأخرى — غازي الشواشي، عصام الشابي، جوهر بن مبارك، عبد الحميد الجلاصي، رضا بالحاج، خيام التركي، حاتم سلامة، لطفي المرايحي، عبير موسي، العياشي زمّال، سوار البرقاوي، رياض بن فضل، مراد الزغيدي، برهان بسيس، شريفة الرياحي، سعدية مصباح، عجمي الوريمي، منذر الونيسي، مصعب الغربي، الصحبي عتيق، رضا شرف الدين… وغيرهم كثر. لائحة تطول حتى تختنق داخل جملة واحدة، بل داخل نفسٍ واحد. وليس هؤلاء فقط. فبينهم أيضًا رئيس جمهورية سابق، وثلاثة رؤساء حكومة سابقين، ومستشارة رئيس الجمهورية وعدد من الوزراء، ومفكرون، ومحامون، وفنانون هاربون في المنافي، متهمون أو حتى مدانون بنفس التُهَم: مؤامرة، إرهاب، تبييض أموال…
وبقدر ما تتسع اللائحة وتتنوع، بقدر ما تنهار الرواية الرسمية. كيف يمكن لمؤامرة أن تجمع من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار؟ من الليبرالي إلى القومي، من المناضل إلى المسؤول، من المعارضة إلى من كان في الحكم؟ هل يمكن لعقل راشد أن يصدّق أن كل هؤلاء، على اختلاف أفكارهم ومساراتهم، متورطون سويًا في “مؤامرة” واحدة؟ الوحيد الذي يجمعهم هو القمع. لم يتشابهوا في الفكر، ولا في التوجّه، ولا في التاريخ. لكنهم اليوم يتقاسمون المصير: زنزانة واحدة، أو تهمة واحدة. “أعداء الدولة”.
فجاء الاتهام جاهزًا: مؤامرة. إرهاب. تبييض أموال. كلمات تُقذف لا لتُقنع، بل لتُرعب. ألفاظ تُستخدم لا لردع الجريمة، بل لإسكات الفكرة. كل أسبوع ملف. وكل ملف إنذار. تتبدّل التُهَم، لكن العقاب ثابت: الإقصاء. إقصاء من النقاش، من الشارع، من الذاكرة. السلطة لا تقول إنها تنتقم. بل تزعم أنها تحمي. تُطهّر، تُنقّي، تُنظّف. تدين على العلن، وتُحاكم في الظل. لكنها قبل كل شيء: تختار. وحين تختار العدالة خصومها، فإنها لم تعد عدالة. بل أصبحت أداة.
قيل ذات يوم: العدالة عمياء. أما هنا، فهي حولاء. ترى جيدًا من يزعج، من يغرّد، من يكتب. لكنها لا ترى الحرية، ولا كل متهم بريء حتى تثبت إدانته، ولا حتى حق الشك. المحاكمة؟ لاحقًا. بعد أن يكون الخوف قد أدّى مهمته. الدفاع؟ مجمّد. الكلمة؟ مصادرة. في البداية، ظنّ البعض أنه مجرد اندفاع مَرَضي، أو مرحلة عابرة. لكن حين تتحوّل الحالات إلى نسق، والملاحقات إلى منهج، والاتهامات إلى نمط متكرّر، فهذا ليس قانونًا، بل منظومة قمعية. ليست عدالة. بل ماكينة. ماكينة تلتهم الأسماء، والوجوه، والتواريخ. غسّالة تُبيض الذاكرة وتشوّهها. حتى الكرامة، استُدعيت للمثول أمام المحكمة. لكنها لم تحضر. كانت هي الأخرى، رهن الاحتجاز. أما الشعب؟ فيراقب. بصمت يتكثّف كل يوم. لا نقاش، بل تفادي. لا اعتراض، بل خفض للصوت. هكذا يولد الظلام: لا عبر الرصاص، بل عبر الصمت. لا بالانقلابات، بل بالاستسلام. أن تتنازل عن غضبك. عن حقك في الكلام. عن التفكير في أولئك الذين دُفنوا أحياء في زنازين النسيان.
لكن لا ينبغي أن نعتاد. ولا أن نبتلع دون أن نمضغ. لا يجوز أن ننسى أن خلف كل اسم يُتلى كخبر عابر، يوجد إنسان. يوجد شك. توجد فكرة. وفكرة لا تُسجن. تونس أرادت الحرية. واليوم، تقيّد مفكريها. نقيس كرامة الأمم بطريقة تعاملها مع معارضيها. وفي هذه المرآة، يجب علينا أن نستيقظ ونقف مع كل من أُتضهد من أجل مواقفه وآرائه. فلنفكّر فيهم. جميعهم. لا شفقة. بل استردادًا لصوت يُراد له أن يُسلب.
لأن المؤامرة الحقيقية، هي تلك التي تُحاك ضد الحقيقة.
Laisser un commentaire