, , ,

عبور العاصفة الكبرى للوجدان:

قرارات نهاية الحياة وحتميّة التفكير فيها في تونس

مع التطور المتسارع لتقنيات الإنعاش وارتفاع متوسط العمر المتوقع، أصبحت لحظة نهاية الحياة أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، لتطرح أسئلة وجودية وأخلاقية عميقة. ففي تونس، كما في غيرها من بلدان العالم، بات ممكنًا الإبقاء على الجسد حيًّا، ولو في حالات الفشل المتعدّد للأعضاء. غير أن هذه القدرة الطبيّة، على الرغم من كونها شاهدًا على تقدّم العلم، تضعنا أمام سؤال أخلاقي حاسم يتردد صداه في أروقة الضمير الإنساني: هل ينبغي الإبقاء على الحياة بأي ثمن؟ ومتى تتحوّل الاستمرارية إلى إطالة للمعاناة بدلًا من صون الوجود بكرامة؟

هذا ليس موضوعًا مستورَدًا أو ترفًا فكريًا، بل هو واقع مؤلم تعيشه عائلات تونسية عديدة، يواجهون فيه قسوة الاختيار ولوعة الفراق. لذا، يتعين علينا أن نفكر فيه بجدية وعمق، لا فقط من منطلق علمي أو ديني مجرد، بل لأننا نطمح إلى مجتمع أرحم، يحتضن ضعفنا الإنساني، ويحمينا من صدمات الحتمية حين تقع، ولا يتركنا عراة أمام وجع النهاية وفقدان المعنى. ففي صميم ثقافتنا وقيمنا، يتمنى كل إنسان أن تكون خاتمته بين أهله وذويه، في كنف الدفء الإنساني، لا في غرفة معقمة باردة، محاطًا بالأنابيب والآلات الصامتة.

الثقافة المحليّة والموت: من الطقوس إلى المعنى العميق

تتداخل خيوط الثقافة المحلية بعمق مع نظرتنا إلى الموت والوداع، حيث تشكل العادات والتقاليد والمعتقدات المتوارثة جزءًا أساسيًا من هويتنا الثقافية والروحية. فالطقوس والممارسات تختلف وتتنوع من مجتمع لآخر، وتتراوح بين التعبير الصريح عن الحزن أو الاحتفاء بذكرى الحياة. كما تؤثر المعتقدات الدينية الراسخة على فهمنا للفقدان: فالإيمان بالحياة بعد الموت يضفي طمأنينة معنوية عميقة، تخفف من وطأة الفراق، وتمنح معنى أسمى للرحيل، وهو ما قد لا توفره النظرة الفانية للموت كمجرد غياب نهائي.

حتى طرق التعبير عن المشاعر الإنسانية تختلف وتتلوّن بتنوع ثقافاتنا: ففي مجتمعات تُشجَّع فيها العاطفة وتُعتبر تعبيرًا طبيعيًا عن الفقد، يُمنح الحزن مساحته ووقته، بينما تميل أخرى إلى التحفّظ والكتمان، لاعتبارات اجتماعية أو شخصية. وينعكس هذا التباين في الأدب والفنون، في الرموز والجنائز، وفي الذاكرة الجماعية التي تُخلّد الراحلين وفق ما تمليه القيم الثقافية والدينية المتجذرة.

وعندما تُفقد لحظة الرحيل معناها الإنساني العميق، وتتحول إلى مجرد إجراء طبي بارد، فإنها تنطبع بسهولة كجرح غائر وندبة لا تُمحى في ذاكرة العائلة، تاركةً إحساسًا بالضياع والفقدان الروحي. فالإنعاش، حين يُفرَض عنادًا وبدون أفق علاجي حقيقي، لا يُعدّ إنقاذًا للحياة، بل قد يتحول إلى مسٍّ بكرامة الإنسان في لحظاته الأخيرة.

معضلة طبيّة أم أخلاقيّة؟ سؤال يلحّ على الضمير

في غياب إطار أخلاقي وقانوني تونسي واضح المعالم، تُترك العائلات المكلومة، ومعها الطواقم الطبية والإنسانية، في عزلة مؤلمة أمام قرارات مصيرية دقيقة، تُتخذ في ظل ارتباك شديد وضغط نفسي بالغ، حيث تتداخل المشاعر مع المسؤولية. من هنا، تتعالى في السنوات الأخيرة دعوات متزايدة من مختلف الأطراف المعنية إلى تقنين هذه الحالات الحساسة، بما يكفل للمرضى نهاية تحفظ كرامتهم الإنسانية، ولعائلاتهم سكينة الوداع والتخفيف من وطأة الشعور بالذنب أو التقصير.

وقد أجمعت فتاوى صادرة عن هيئات إسلامية معتبرة، كالمجمع الفقهي الإسلامي بجدة ودار الإفتاء المصرية، على جواز وقف الإنعاش متى ثبت طبيًّا بشكل قاطع أن الحالة ميؤوس منها ولا رجاء في شفائها، شرط أن يُتخذ القرار من طرف فريق طبي مختص وموثوق، وألا يكون الهدف المبطن هو إنهاء الحياة بشكل مباشر، بل تركها تأخذ مجراها الطبيعي المقدّر.

من الضروري هنا التمييز الدقيق والحاسم بين مفهوم “القتل الرحيم” المرفوض شرعًا وقانونًا وإنسانيًا، ومفهوم “الترك الرحيم” (Allow Natural Death) الذي لا يسعى بشكل مباشر إلى إنهاء الروح، بل يهدف إلى احترام مسار الموت الطبيعي كما قدره الله عز وجل، دون إطالة اصطناعية للألم والمعاناة التي لا طائل منها. وقد قال الإمام الفقيه ابن قدامة المقدسي في كتابه المغني: «إذا غلب على ظن الأطباء أن العلاج لا ينفع، فلا بأس بتركه، ولا يكون ذلك من التواكل».

من المعنى إلى المصير: الموت ليس مجرد نهاية بيولوجية

في المخيال الإسلامي والمغاربي الأصيل، لا يُنظر إلى الموت على أنه قطيعة نهائية مع الحياة والوجود، بل هو عبور حتمي نحو معنى أعمق، ومصير نؤمن بأنه جزء من حكمة إلهية شاملة ومقدرة. لذلك، فإن عزل المريض في غرف معقمة باردة، بعيدًا عن دفء أحبته وذويه، وحرمانه من طقوس الوداع والدعاء التي تحمل في طياتها السلوى الروحية، يُفقد لحظة الرحيل معناها الرمزي والروحي العميق. فلحظة الموت، في ثقافتنا الغنية بالقيم، لم تكن يومًا حدثًا طبيًّا بحتًا أو فشلًا علاجيًا، بل كانت ولا تزال مناسبة للتسامح والتصالح، وللتعبير عن الوصية والأمنيات الأخيرة، ولتبادل الغفران والحب العميق قبل الفراق الأبدي.

إنّ تجريد الموت من إنسانيته وحميميته، واختزاله إلى مجرد حدث طبي، يحوّله إلى جرح مضاعف في ذاكرة الأحياء، وربما يترك لديهم شعورًا بالندم أو التقصير، كما يَحرم الراحل من حقه الإنساني الأصيل في الخروج من الحياة بكرامة وسلام. لذلك، فإن أي مقاربة لقضايا نهاية الحياة المعقدة لا ينبغي أن تقتصر على المعطى الطبي البحت، بل يجب أن تستعيد هذا البعد الرمزي والإنساني العميق، وأن تُعيد للموت مكانه الطبيعي في مسار الوجود، لا أن يُختزل إلى فشل يجب التستر عليه أو تأجيله بأي وسيلة ممكنة.

من التقنية إلى الرعاية الإنسانية: حين تتحوّل النهاية إلى عناية

ليست الإجابة الصحيحة على سؤال إنساني عميق مجرّد قرار تقني أو طبي، بل هي فعل رعاية واحتضان لضعف الإنسان في لحظته الأخيرة. فمهما تطورت تقنيات الطب، تبقى لحظة الرحيل لحظة إنسانية بامتياز، لا يمكن أن تُفهم أو تُدار إلا بروح الرحمة والتفهم.

في هذا السياق، تُعدّ الرعاية التلطيفية (soins palliatifs) وجهًا نبيلاً من وجوه الطب الإنساني، لا تهدف إلى “علاج” الموت بل إلى مرافقة الإنسان نحو مصيره بحب واحترام، وتخفيف الألم الجسدي والمعنوي، وتوفير الراحة له ولعائلته. هي طبّ لا يُقاس بنجاحه في إطالة الحياة، بل في جودتها وكرامتها حتى اللحظة الأخيرة.

لكن للأسف، ما زال هذا النوع من الرعاية في تونس يعاني من نقص حاد في الانتشار والوعي والدعم المؤسساتي، رغم أهميته القصوى. إذ لا يزال كثير من المرضى يُتركون في عزلة طبية مؤلمة، تُدار نهايتهم بقرارات استعجالية وأحيانًا غير مدروسة، بدل أن تُصان رحلتهم الأخيرة بما تستحقه من رعاية وعناية ورحمة.

لذلك، فإن بناء سياسة وطنيّة شاملة للرعاية التلطيفية يُعدّ ضرورة عاجلة، تُكرّس مبدأ “الحق في الموت بكرامة”، وتجعل من النهاية لحظة حبّ لا لحظة وجع مضاعف. لأننا لا نحتاج فقط إلى طبّ ينقذ الحياة، بل إلى طبّ يُحسن وداعها، ويمنحها ما تستحق من سكينة وسلام.

نحو إطار تونسي أصيل: اللجنة الوطنية للأخلاقيات نموذجًا للرشد

منذ تأسيسها المبارك سنة 1995، تلعب اللجنة الوطنية للأخلاقيات الطبية في تونس دورًا محوريًّا ومتزايد الأهمية في تعميق هذا النقاش الإنساني والأخلاقي الحساس. فبفضل تركيبتها المتعددة والمتوازنة، التي تضم نخبة من الأطباء والفلاسفة والفقهاء والقانونيين وعلماء الاجتماع، تمثل اللجنة اليوم فضاءً فريدًا لبلورة مقاربة تونسية أصيلة ومتكاملة لقضايا نهاية الحياة المعقدة، تأخذ في الاعتبار خصوصياتنا الثقافية والدينية والقانونية.

وقد عبرت اللجنة، من خلال ندوات علمية رصينة وجلسات استماع برلمانية مسؤولة، عن الحاجة الملحة إلى تأطير هذه القرارات المصيرية داخل مرجعية قانونية وأخلاقية واضحة ومستنيرة، وأكدت على جملة من المبادئ الأساسية التي يجب أن توجه هذه العملية الدقيقة:

• احترام إرادة المريض أو وصاياه وتوجيهاته المسبقة متى وُجدت وكانت واضحة ومستنيرة.

• تغليب مصلحة المريض الفضلى وجودة حياته الشاملة على مجرد الإبقاء البيولوجي الآلي.

• ضمان الشفافية الكاملة والتواصل الفوري والصادق والواضح مع العائلة وأفرادها المقربين.

• إشراك جميع المتدخلين المعنيين والاستماع بعناية إلى آرائهم ووجهات نظرهم دون استثناء أو تهميش.

• احترام القانون التونسي ومبادئه الدستورية الراسخة التي تحمي كرامة الإنسان وحقوقه.

• مراعاة السياق الثقافي والديني التونسي الأصيل وقيمه الروحية والإنسانية العميقة.

من قيم الحياة إلى كرامة الموت: ميزان العدل والرحمة

في التصور الإسلامي الأصيل، تُعتبر الحياة أمانة عظيمة مُنحت للإنسان، ولا يجوز التفريط فيها أو إهدارها بغير حق، لكن الكرامة الإنسانية والرحمة الواسعة هما مكونان أساسيان من هذه الأمانة المقدسة. وقد حثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله الشريف: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»، وكان من دعائه المأثور: «اللهم إني أسألك حسن الخاتمة».

وحسن الخاتمة ليس فقط أمنية دينية نبيلة، بل هو أيضًا تجلٍّ سامٍ لاحترام الإنسان في لحظة وداعه الأخيرة. والكرامة في هذه اللحظة الحرجة تعني ألا يتحول المريض إلى مجرد جسد فاقد للوعي، موصول بالأنابيب والأجهزة، ومحروم من وداع أحبته ومن طقوسه الروحية الأخيرة التي قد تحمل له السكينة والسلام.

إنّ مفهوم “حسن الخاتمة” ليس مجرد أمنية دينية عابرة، بل هو أيضًا تعبير عن أرقى درجات احترام الإنسان في نهاية رحلته الدنيوية. ولعلنا اليوم، في تونس، مدعوون أكثر من أي وقت مضى إلى منح لحظة الموت ما تستحقه من تفكير عميق ومسؤول، ومن رحمة إنسانية واسعة.

Laisser un commentaire

Comments (

0

)