ما من كلمة استُدعيت في الخطاب الرسمي التونسي بمثل هذا التواتر في الآونة الأخيرة مثل كلمة «السيادة». فمع كل انتقاد لاذع، ومع كل انتكاسة اقتصادية، ومع كل مأزق دبلوماسي، يُطلق الشعار ذاته: «السيادة الوطنية». هذه الكلمة، التي تحوّلت إلى تعويذة، تُردَّد لتغطية الحقيقة الجوهرية: وهي أن السيادة الحقيقية للبلاد تتآكل بمعدل يرادف شدة الإعلان عنها.
فالسيادة ليست مجرد كلمات جوفاء، بل تُبنى على ركائز صلبة: اقتصاد مُعافى ومنتج، قضاء مستقل ونزيه، مؤسسات تعليمية فعالة، وإدارة عامة كفؤة. غير أن تونس اليوم تسير في الاتجاه المعاكس تمامًا: دين عام متضخم، تضخم مالي مستمر، تفكك للخدمات العمومية، عزوف جماعي عن التعليم، وهجرة مُتسارعة للكفاءات والشباب. بأي منطق يمكن لدولة بهذه الهشاشة الهيكلية أن تدّعي الدفاع عن سيادة فقدت قدرتها على ممارستها على الأرض؟
السيادة ليست عَلَماً يُرفع لتغطية الواقع المتردي، بل هي بنية صامدة ومتماسكة تتطلب البناء والتراكم المستمر – وهي البنية التي تتداعى تدريجياً في الوقت الراهن.
إن ما يُسوَّق اليوم على أنه سيادة ليس سوى غطاء واهٍ من الشعارات الرنانة.
إنها قومية أزمة دفاعية متشنجة، ممتلئة بالارتياب، تحوّل الفضاء العام إلى ساحة حرب أيديولوجية. هذه القومية مُدمّرة، إذ تعمل على ثلاث مستويات رئيسية لإضعاف الدولة والمجتمع:
أولاً: إضعاف الفهم الحقيقي
تُحوّل هذه القومية الانتباه عن التحديات المنهجية والجذرية. فالصعوبات الاقتصادية، على سبيل المثال، تُعزى إلى أعداء داخليين أو مؤامرات خارجية، ولا تُقرن بالقرارات السياسية الخاطئة؛ بل هي دائماً نتيجة لتهديدات متوهمة. يتحوّل النقد المشروع إلى «تدخل سافر»، وتُوصم الخبرات والكفاءات بـ«الخيانة». في هذا الضباب القومي، يستحيل تنفيذ أي إصلاحات هيكلية ضرورية.
ثانياً: إضعاف بنية الدولة
لا تُبنى الدولة القوية بالوصم، ولا بالرفض، ولا بخنق القوى الفاعلة والمعارضة. الدولة القوية تُبنى أولاً وأخيراً بالكفاءة، والشفافية، والحكم الرشيد. ففي غياب المشاريع التنموية الحقيقية، تُنتج الشعارات. وفي غياب الرؤية الاستراتيجية الواضحة، يُصنع الأعداء. وتصبح القومية ملاذاً سهلاً ومريحاً لتغطية الفراغ الاستراتيجي وغياب المبادرات الفاعلة.
ثالثاً: تفرقة المجتمع وتفكيك الثقة
تُفرّق هذه الآلية المجتمع بوضع «الوطنيين الحقيقيين» في مواجهة «الخونة» أو «النخب المخدوعة». هذه الماكينة، التي تتكرر في كل مكان تنتشر فيه قومية الأزمة، تعزل المواطنين بعضهم عن بعض، وتغذي المخاوف المتبادلة، وتدمر الثقة الاجتماعية والسياسية. لا يمكن لأي دولة أن تنهض وهي تُشكك في ولائها وتغرس الارتياب في أبنائها.
وفي الوقت الذي يُرفع فيه هذا الشعار عاليًا، تُسلّم تونس جزءًا من سيادتها الفعلية عندما تقبل القيام بدور حارس الحدود لأوروبا. فباسم محاربة الهجرة غير النظامية، يتم التغاضي عن ممارسات منافية لحقوق الإنسان أو حتى تشجيعها. أوروبا، المحاصرة بضغوطها الداخلية، تغض الطرف طالما تقلصت أعداد الوافدين. المفارقة هنا لاذعة: أولئك الذين ينددون باستمرار بـ «الضغوط الأجنبية» يقبلون بلا تردد اتفاقيات تحوّل البلاد إلى مقاول أمني تابع لأجندة خارجية.
وبالمثل، يتم رفض المؤسسات المالية الدولية علناً وخطابياً، مع طلب تمويلات عاجلة سرّاً لتفادي الانهيار المالي المؤكد. هذا الخطاب المزدوج ليس من السيادة في شيء؛ بل هو دليل صارخ على فقدانها الفعلي والاضطرار إلى المناورة والالتفاف.
تحتاج تونس إلى سيادة حقيقية وفاعلة، لا قومية ارتكاز على الأوهام.
سيادة تقوم على الإنتاج الفعلي، والتعليم الجيد، والابتكار، وجذب الاستثمار، وتكريس العدالة، وتعزيز الشفافية.
سيادة تتحمل التزاماتها الدولية وتنخرط فيها بفاعلية بدل الالتفاف عليها أو التنصل منها.
سيادة تنظم المستقبل بوعي بدل التعلق بذاكرة الشعارات البالية.
فالسيادة لا تُرتجل.
لا تُفرض ببيانات نارية.
إنها تُبنى، حجرًا حجرًا، على المدى الطويل، في صمت العمل الجاد.
اليوم، تُستدعى السيادة لسد فراغ الحوكمة.
وغدًا، يجب أن تُعاد بناؤها بشكل جذري لتجنب الانهيار التام.
Laisser un commentaire