غزة أوّلًا: حربٌ تعيد رسم الشرق الأوسط وتكشف زيف “السلام” الإقليمي

لم تعد الحرب على غزة حدثاً عسكرياً فحسب؛ لقد تحوّلت إلى لحظة كاشفة، تُسقط الأقنعة عن القوى الدولية، وتعرّي هشاشة الأنظمة العربية، وتعيد الصراع الفلسطيني إلى مركز المشهد العالمي. فالقصف اليومي، والمجازر الموثّقة بالصور، والدمار الواسع، كلها لم تُحدث فقط صدمة إنسانية، بل فجّرت البنية السياسية التي قامت عليها اتفاقات أبراهام وما رافقها من خطاب «السلام الجديد» في المنطقة.

اتفاقات تُوقَّع فوق الرماد

من المكابرة الادّعاء أن اتفاقات أبراهام يمكن أن تبقى على قيد الحياة بينما تُجمع جثث الأطفال من شوارع غزة. هذه الاتفاقات التي روّجت لها واشنطن وتل أبيب باعتبارها المفتاح السحري لاستقرار الشرق الأوسط، سقطت أخلاقياً قبل أن تسقط سياسياً. فكيف يمكن الحديث عن «سلام» بينما تُرتكب الإبادة أمام صمتٍ عربي رسمي، وحمايةٍ أميركية تُستخدم فيها أدوات الفيتو بلا حدود؟

الشعوب العربية أدركت سريعاً أن هذا «السلام» لا يختلف كثيراً عن إعادة تأهيل للاحتلال، وأن التطبيع الذي لا يمرّ عبر العدالة لا يُنتج إلا الانقسام والغضب وفقدان الشرعية.

الضفة الغربية: الجبهة التي تُدار بصمت

بينما تنشغل غزة بكامل طاقتها في مواجهة الدمار، تتعرض الضفة الغربية لهجوم أقل صخباً وأكثر خطورة:

استيطان يتوسع بلا قيود، طرقٌ تفصل المدن وتُهيئ لضمّ فعلي، واقتحامات يومية تحوّل الحياة إلى عبء دائم.

في ظلّ ضجيج الحرب، يجري العمل على تغيير بنية الضفة على نحو لا يمكن التراجع عنه، بما يجعل أي حديث عن دولة فلسطينية أقرب إلى الخيال.

إسرائيل تستخدم الحرب كغطاء. والغرب يتظاهر بالانشغال الإنساني بغزة بينما يسمح على الأرض بإعادة هندسة الضفة بما يضمن السيطرة الكاملة عليها.

برغوثي: الغائب الحاضر

في قلب هذا المشهد، يظهر مروان البرغوثي كقضية سياسية تتجاوز شخصه. استمرار اعتقاله ليس قراراً أمنياً؛ إنه خطوة استراتيجية لمنع تشكّل قيادة فلسطينية موحدة وقادرة على الدخول في مسار سياسي جدّي.

الإفراج عن البرغوثي بات معياراً لصدقية أي مشروع دولي يتحدث عن «اليوم التالي». فمن يريد سلاماً حقيقياً لا يخشى القادة الذين منحهم الناس شرعيتهم.

واشنطن: الفيتو الذي يرسم الخرائط

الدور الأميركي في الحرب على غزة كشف حقيقة لا يمكن تجميلها: الولايات المتحدة ليست وسيطاً، بل طرف مباشر.

فهي التي توفّر المال و السلاح والغطاء السياسي لإسرائيل، وتمنع عبر الفيتو أي مساءلة، وتدفع بمشاريع «إعادة إعمار» تُحوّل الفلسطينيين إلى تابعين في اقتصاد لا يملكون مفاتيحه.

المفارقة أن هذا النهج لم يؤدِّ إلى استقرار المنطقة، بل إلى اهتزاز مكانة واشنطن نفسها وفقدانها احتكار التأثير في الملف الفلسطيني.

تحولات عربية كبرى

الحرب فجّرت الانقسام العربي المعتاد بين الأنظمة والشعوب.

بينما تتحرك الجماهير دعماً لغزة ورفضاً للتطبيع، تكتفي بعض الحكومات بالبيانات الخالية من أي فعل سياسي حقيقي.

وهذا الشرخ، الذي حاولت اتفاقات أبراهام تغطيته، خرج اليوم إلى العلن بقوة أكبر من أي وقت مضى.

ماذا بعد الحرب؟

المؤشرات الحالية تكشف أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة تتحدد فيها المعادلة الفلسطينية وفق ثلاث ساحات مركزية:

  •   شرعية القيادة — وإطلاق سراح البرغوثي في قلبها.
    • شكل السيطرة على الضفة الغربية — حيث يجري الحسم الآن.
      • الرواية العالمية — التي انقلبت بصورة غير مسبوقة لصالح الفلسطينيين بعد مشاهد غزة.

هذه ليست تفاصيل هامشية، بل مفاتيح مستقبل المنطقة.

 غزة كسرت هندسة “السلام”

الحرب لم تغيّر غزة فقط؛ غيّرت العالم من حولها. أسقطت أوهام الاستقرار المزيّف، وأعادت تعريف الصراع على أساسه الحقيقي: صراع شعب يريد الحرية ضد قوة احتلال مدعومة دولياً.

بعد غزة، ليس ممكناً العودة إلى خطاب «السلام الاقتصادي»، ولا إلى خريطة طريق تُصاغ في غرف مغلقة بينما تُهدم البيوت فوق رؤوس أصحابها.

غزة قالت الحقيقة التي حاول كثيرون تجاهلها:

لا سلام بلا كرامة، ولا كرامة بلا عدالة، ولا عدالة بلا إنهاء الاحتلال.

Laisser un commentaire

Comments (

0

)