,

مشروع قانون المالية لسنة 2026: عدالة مؤقتة واستدانة مزخرفة

ليس مطلوبًا أن يكون المرء اقتصاديًا ليُدرك التناقضات الفجّة في مشروع قانون المالية لسنة 2026، لكن الأخطر أن هذه الخيارات المصيرية تُتخذ بعيدًا عن أي نقاش وطني حقيقي. ومن حق كل مواطن أن يسأل: كيف تؤثر هذه القرارات على مدخوله، على يومياته، وعلى مستقبل البلاد؟

الاستدانة بدل الإنتاجية: «نحن نعتمد على أنفسنا… بأموال الآخرين»

تُظهر الأرقام فجوة هائلة: نفقات تقارب 63.5 مليار دينار مقابل إيرادات 52.5 مليارًا، أي عجز يزيد على 11 مليارًا يُسدَّد بالاقتراض المحلي والدولي. الدولة تستدين لتغطية الأجور، وتوزّع زيادات لتهدئة الاحتقان الاجتماعي، لكنها لا تنتج الثروة الحقيقية، فتؤجل الحساب إلى المستقبل.

كما رأينا في السنوات الأخيرة، تستدين الدولة التونسية بأسلوب مهيب: قرض جديد، فخامة في الإعلان، وفورًا تُوزّع الأموال وكأنها مجانية، تاركة الفاتورة للأجيال القادمة. النمو الاقتصادي يتحقق على الورق، بينما الاقتصاد الفعلي يتراجع. «نحن نعتمد على أنفسنا… بأموال الآخرين»، كما تقول الحكومة، وكأن الاستدانة أصبحت شعارًا وطنيًا جديدًا.

جباية بلا إصلاح: العبء على الفقراء

الضريبة المقترحة على الثروة تبدو عادلة نظريًا، لكنها عاجزة عن أن تكون فعالة في اقتصاد يهيمن عليه الظل، حيث تغيب الشفافية وتسيطر السوق السوداء على أكثر من 40% من الناتج. المواطن البسيط يدفع الرسوم على كل شيء: اتصالات، فواتير، مسابقات إلكترونية، إيجارات. أما الأغنياء، فهم يتملصون من المسؤولية. حين تتحول الجباية إلى وسيلة لتعويض غياب سياسة إنتاجية، لا تتحقق العدالة، بل تُستبدَل بأوهام مالية قصيرة المدى.

وعود بلا موارد: حلم على الورق

مشروع القانون يعد بدعم الشباب، المتقاعدين، ذوي الإعاقة، الفلاحين الصغار، المرضى النادرين، وسائقي السيارات الكهربائية. حسن النوايا موجود، لكن الموارد غائبة. إنفاق غير مرتبط بإنتاجية أو استثمار يعيد خلق الثروة يؤدي فقط إلى تأجيل الأزمة، وكأن الدولة توزع الهدايا قبل أن تعرف مصدر المال.

النمو بلا استثمار: قصر على الرمال

قد تظهر الأرقام تحسّنًا في الفلاحة والسياحة، لكن الاستثمار يتراجع. البنوك ترفض منح القروض، خاصة للصناعات التحويلية وللبناء، ويزداد حجم الديون المعدومة. النمو بلا استثمار يشبه بناء قصر على الرمال: جميل من بعيد، هش وسريع الانهيار.

العودة إلى المركزية: شعارات بلا فاعلية

رغم الإشارات إلى التنمية الجهوية، يعيد المشروع السلطة المالية والإدارية إلى المركز، ويجعل دور البلديات والجهات شكليًا. أحكام اللامركزية تتحول إلى شعارات، وكأن الدولة تقول: «نعلن الحرية، لكن لا نعطيها فعليًا».

خطاب أخلاقي بلا خطة اقتصادية

المشروع يخاطب العواطف ويُسوّق الحماية الاجتماعية، لكنه لا يجيب عن السؤال الأهم: «من أين ستأتي الثروة قبل توزيعها؟» الإصلاحات الإنتاجية والإدارية والاستثمارية غائبة، فالدولة تستدين، تتجاهل الإصلاح، وتوزع ما ليس لديها. الخطاب الأخلاقي يتحول إلى ديكور، فيما الواقع الاقتصادي مأزوم.

ازدواجية مزخرفة: السيادة والمال الدولي

تونس ترفض شروط صندوق النقد الدولي، لكنها تقترض بأسعار فائدة مرتفعة، وتتعامل مع المال الدولي كما لو أنه مجرد أداة للظهور السياسي. الدولة تفرض قيودًا على المجتمع المدني بحجة السيادة، بينما تعتمد على أموال الخارج لتغطية نفقاتها. «نحن مستقلون… ونحن مدينون!» — العبارة تصف بدقّة ازدواجية السياسة التونسية.

العدالة قصيرة المدى تهدّد المستقبل

باختصار، مشروع قانون المالية لسنة 2026 يقدّم توزيعًا مرحليًا للموارد على حساب قدرة الاقتصاد على النمو والاستدامة. يدّعي السيادة بينما يتعمق في الاقتراض، يدّعي العدالة بينما لا يعالج جذور الفقر، ويخلق كرامة اجتماعية مؤقتة تؤجّل ثمنها للأجيال القادمة.

عبرات من العدالة العالمية

الوضع التونسي ليس منعزلًا. من لندن إلى ريو دي جانيرو، ومن واشنطن إلى تونس، نرى سياسات مزدوجة: الحكومات تُسوّق أخلاقيات العدالة والسيادة، بينما تتصرف وفق مصالحها ومالها، فتُستغل القوانين، تُتلاعب الديون، وتُسحق العدالة. الدرس واضح: قوة الدولة ليست في الشعارات أو العواطف، بل في القدرة على خلق الثروة، الاستثمار في الإنتاج، وحماية الحقوق الحقيقية للمواطنين.

تونس تستدين، توزّع، تعلن العدالة، وتصور نفسها قوية. لكنها في الحقيقة تعيش على أوهام مالية، وتؤجّل الحساب للأجيال القادمة. المستقبل في خطر، والعدالة بلا إنتاجية مجرد وهم مزخرف، جميل على الورق، لكن قاتل في الواقع.

Laisser un commentaire

Comments (

0

)