,

«اتفاق ترامب للسلام».. عودة الكذبة الاستعمارية الكبرى

أتذكّر مقولةً قرأتها يومًا، مفادها أن الإمبراطوريات، في شيخوختها، تتنكّر في هيئة المُنقِذين

لم أجد تجسيدًا أبلغ لصدق هذه الحكمة من دونالد ترامب، وهو يصدح بثقةٍ صاخبة عن منح « سلامٍ أبديّ » لغزّة. فما من ادّعاء أشدّ فجاجةً من ربط « الأبدية » بخطةٍ وُلدت من أسوأ ما في دهاليز السياسة: الكذب، والغرور، والمصلحة العارية.

جذور الهيمنة: متلازمة « المنقذ الأبيض » التي لا تموت

إن ما يُسمى « خطة سلام ترامب » ليس مجرد مسودة سياسية، بل هو بيان صريح باستمرار العقلية الاستعمارية الغربية. فمنذ صكّ وعد بلفور وحتى لحظة التوقيع في البيت الأبيض، ظلّ الغرب يرى أن له الحق المطلق في إعادة صياغة الخرائط والمصائر في الشرق الأوسط، بمنأى عن إرادة شعوبه.

هذا الاتفاق، في جوهره، هو رفض قاطع لأي فكرة تحرير جذري. فالهيمنة الفكرية الغربية، التي قامت على تفوّق العرق والثقافة والقدرة على « التمدين »، هي التي صنعت إسرائيل كجيب متقدّم لها في قلب المنطقة. لذا، فإن أي سلام حقيقي يعني الاعتراف بالفشل التاريخي للمشروع الاستيطاني، وهو ما لا يستطيع الغرب (الأمريكي-الأوروبي) قبوله.

خيانة القصور: ثمن الخضوع لبناء « الأوطان المزيّفة »

في التاسع والعشرين من سبتمبر الماضي، وبين الأبهاء المذهّبة في البيت الأبيض، كُشفت الخطة. وفي الثالث عشر من أكتوبر، في شرم الشيخ، تحوّل هذا المشروع إلى استعراضٍ سرياليّ وقّع عليه رؤساء عرب وأتراك وقطريون وأوروبيون، جميعهم يوقّعون «إعلان ترامب من أجل السلام والازدهار الدائمين».

وهنا، يتجسّد البعد الأعمق للخطيئة:

لقد عجزت هذه الأنظمة، تاريخياً، عن صياغة مشروع وطني عربي مشترك قائم على الحرية، والاستقلال الحقيقي، ورفض الوصاية. بل إن كياناتها وُلدت نتيجة تقاسم الغرب للمنطقة، واختارت هذه القيادات أن تتبنّى الخضوع لغةً دبلوماسيةً آمنة للحفاظ على عروشها واستمرار سلطتها على شعوبها.

إن توقيعهم على « سلام ترامب » هو شهادة علنية على استمرار الخيانة التاريخية؛ فبدلاً من أن يكونوا حماةً لكرامة الأمة ومشاريع التحرير، اختاروا أن يكونوا حراسًا للمشروع الاستعماري الجديد. لم يكن ذلك المشهد سلامًا ولا ازدهارًا، بل مسرحية كبرى لإعادة إنتاج الإذلال، في عالمٍ صار يُسمّي السيطرة « استقرارًا »، والهيمنة « تسويةً ». إنهم يفضّلون أمن عروشهم على بناء وطن عربي حر، ويدفعون ثمن ذلك بـضمير الأمة نفسه.

حماس بين مطرقة الإمبراطورية وسندان الوصاية المباشرة

خلف الكواليس، يُستكمل المشهد العربي الهزيل. ورغم رفض حماس التوقيع، فإن صمته المُلتبس وتعبيراته الرمادية تكشف عمق الضغط الذي يُحاصره.

وراء هذا الغموض تقف الدوحة، الحليف الذي صار سجّانًا. فالإمارة الصغيرة، التي تسعى لإرضاء واشنطن والحفاظ على دور الوسيط، تضغط على حماس حتى يفقد آخر أوراقه. هكذا، يجد نفسه بين وصايتين: وصاية أمريكية تريد تجريده من المقاومة، ووصاية من الأخوة تهدف إلى ترويضه سياسيًا لخدمة أجندة واشنطن.

ترامب، بدوره، احتفل بما سمّاه « إنجازًا دبلوماسيًا » لا بدافعٍ من العدالة، بل بدافعٍ من الغرور. لكن « اتفاقه » ليس اتفاقًا للسلام، بل نصبٌ تذكاريٌّ لغرور رجلٍ واحد، وتأكيدٌ لفشل جيل كامل من القادة.

سلامٌ بلا عدالة هو الاسم الآخر للحرب

في الثامن عشر من أكتوبر، أعلن نتنياهو ترشّحه لولايةٍ جديدة، على أنقاض « اتفاق سلام » صنعه ليخدم بقاءه السياسي. أما الفلسطينيون، فعليهم أن « ينتظروا »؛ ينتظروا إعادة الإعمار، ينتظروا « إصلاح » سلطتهم، ينتظروا تهيّؤ « الظروف المناسبة » لمسارٍ نحو تقرير المصير.

لكن إلى متى يمكن لشعبٍ أن يُدان بالانتظار؟ كم مرة يجب أن تُبنى غزّة من رمادها كي يفهم العالم أن لا سلام تحت الوصاية، ولا حرية تحت السلاح الأمريكي، ولا كرامة تحت خيمةٍ موقّعةٍ باسم المانحين؟

الكرامة التي لا تُقهر: رفضاً للهيمنة

إن خطة ترامب ليست مجرد خطأٍ سياسي، بل خطيئةٌ أخلاقية. إنها تُعيد إلى الحياة الخيال الاستعماري القديم: الغرب الذي يدّعي أنه يُرمّم الشعوب التي دمّرها، بموافقة ضمنية من حكّام المنطقة.

غزّة ليست « ملفًا »، بل ضميرٌ مفتوح ينزف باسم كل المقهورين. هي تذكير دائم بأن الحق لا يموت، وأن العدالة قد تتأخّر لكنها لا تُلغى. الكرامة لا تُستورد ولا تُشترى؛ هي تولد في اللحظة التي يقول فيها المرء « لا » للهيمنة، ولو كلّفته تلك الكلمة حياته.

فالسلام لا يُصاغ في قصور الغرب أو في عواصم التخاذل العربي، بل يُولد من رحم الألم، هناك، حيث يتشبّث الناس بالحياة كما لو كانوا يدافعون عن المعنى الأخير للإنسانية ويرفضون أن يكون مصيرهم رهن خطة استعمارية جديدة.

Laisser un commentaire

Comments (

0

)