لم تعد السيادة الوطنية مجرد مفهوم يُتغنى به في الخطب الرسمية أو يُزين جدران الوزارات. في تونس، الفضاء الذي انطلقت منه شرارة الكرامة العربية، تحولت السيادة إلى مفارقة صارخة: شعار يُرفع في مواجهة الخصوم السياسيين، بينما يُفرغ من مضمونه في غرف التفاوض مع المؤسسات المالية الدولية. إنها ورقة تُلعب أحيانًا للاستقطاب السياسي، وأحيانًا أخرى للتنازل تحت وطأة الضغوط الاقتصادية.
من سيادة التحرير إلى سيادة الدين: تحولات المفهوم في المخيال التونسي
ارتبطت السيادة في الذاكرة الجمعية التونسية بمعركة التحرر من الاستعمار، ثم بصورة الدولة الوطنية الحديثة التي أسسها بورقيبة، والتي رغم سلطويتها رسخت فكرة “الدولة المركزية” القادرة على اتخاذ القرار. اليوم، يشهد المفهوم انزياحًا خطيرًا. فبعد الثورة، لم يعد الاحتكام لسلطة الشعب هو التعبير الأسمى عن السيادة فحسب، بل دخل عليها من يقدس الدين في الخطاب السياسي (كما فعلت بعض التيارات الإسلاموية سابقًا) أو يختزلها في “سيادة القانون” بمعناها الأمني الضيق (كما يظهر في الخطاب الرئاسي الحالي). لقد تحولت السيادة من أداة للتحرر إلى أداة للهيمنة، ومن إطار جامع إلى ساحة لصراع الهويات.
السيادة المرتهنة: اقتصاد الريع وسياسة “اليد الممدودة”
لا يمكن فهم مأزق السيادة التونسية بمعزل عن واقعها الاقتصادي. فالدولة التي تفخر بعدم وجود قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها، تقف اليوم أمام مانحين ومؤسسات مالية تحدد أسعار الدواء والغذاء والطاقة، وتتحكم في خياراتها التنموية. الأرقام الرسمية تؤكد ذلك:
• 2010-2020: 83.43 مليار دينار من القروض
• 2021-2026: 132.14 مليار دينار قيد التخطيط
السيادة التي تتغنى بها الشعارات تتحول إلى مساومة يومية على حياة المواطنين، فتتحول السيادة إلى شكلية سياسية، مقابِلها تبعية اقتصادية هيكلية. الدولة لا ترفض الإملاءات الخارجية لأنها “سيدة القرار”، بل لأنها مدينة، وهذا هو الانتهاك الأكبر للسيادة في عصر العولمة.
السيادة الرقمية والأمنية: الوهم والاختراق
في عصر الثورة الرقمية، لم تعد الحدود الجغرافية كافية لضمان السيادة. تونس، التي شهدت أول ثورة عربية مدعومة بشبكات التواصل الاجتماعي، أصبحت بيانات مواطنيها ومشاعرهم الرقمية سلعة رخيصة في سوق الشركات التقنية العالمية. أما السيادة الأمنية، فتصبح هشة حين تعتمد الدولة على دعم أمني خارجي لضبط الحدود أو “محاربة الإرهاب”، فتظل سيادتها مشروطة ومقيَّدة بمساعدات يمكن أن تتحول إلى أدوات ضغط.
السيادة الداخلية: شرط السيادة الخارجية
أي معنى للسيادة الوطنية حين تُصادر السيادة الفردية؟ كيف يمكن للدولة أن ترفض وصاية الخارج بينما تمارس وصاية مطلقة على الحريات الداخلية، وتغلق الفضائيات، وتوظف القضاء لتصفية الحسابات السياسية؟ السيادة الحقيقية ليست جدارًا نخيف به العالم، بل فضاء داخليًا آمنًا لشعب حر. الدولة التي تنتهك عقدها الاجتماعي مع مواطنيها تفقد شرعية الدفاع عن سيادتها أمام العالم.
نحو سيادة الكرامة: من الشعارات إلى المرتكزات الأخلاقية
السيادة الحقيقية ليست خطابًا نفتخر به، بل التزام أخلاقي نتحمل مسؤوليته. مقياسها ليس علو الصوت في المنابر، بل قدرة الدولة على:
• سيادة القوت: تأمين الغذاء والدواء دون إذلال.
• سيادة العدل: ضمان محاكمة عادلة لكل مواطن، بغض النظر عن موقعه.
• سيادة القرار: اتخاذ خيارات تنموية تحمي موارد البلاد ومستقبل الأجيال.
• سيادة الكلمة: حماية حق المواطن في التعبير والمشاركة في القرار، لا جعله متفرجًا على أحداث تُدار في أروقة مغلقة.
السيادة مشروع بناء، وليست أداة تفاخر
السؤال لم يعد: “هل نحن أسياد؟”، بل أصبح: “أي سيادة نريد، وعلى أي أرضية نبنيها؟”. هل نريد سيادة قائمة على خطاب الانكفاء والعداء الوهمي للخارج، أم سيادة تنموية تقوم على الإنتاج والمعرفة والعدالة الاجتماعية؟ السيادة ليست هبة من نظام حاكم، ولا وصية من الماضي، بل مشروع وطني دائم، تشارك في بنائه مؤسسات مستقلة، مواطنون أحرار، واقتصاد منتج.
إن الشعب الذي لا يمتلك قراره اليومي لا يمكن لدولته أن تزعم امتلاك القرار التاريخي.
السيادة بين النتائج والوعود
السيادة لا تُقاس بالكلمات، بل بالقدرة على:
• الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي،
• حماية المكتسبات الاجتماعية،
• الاستثمار في القطاعات الإنتاجية،
• السيطرة على الدين العام على المدى الطويل.
والمعيار النهائي لمصداقية السيادة التونسية سيكون: خطة اقتصادية واضحة، طمأنة الشركاء الدوليين، وحماية الفئات الأكثر هشاشة خلال أي انتقال.
Laisser un commentaire