إغراء الحل السهل
في أوقات الأزمات، تميل الشعوب إلى البحث عن مخرج قصير من متاهة طويلة. وحين تتراكم الإخفاقات وتخيب الآمال، يسهل الإيمان بأن المشكلة تكمن في السياسة ذاتها، وأن الخلاص لن يأتي إلا بالتخلص منها.
هكذا انتشرت في تونس، خلال السنوات الأخيرة، فكرة تبدو للوهلة الأولى مقنعة ومريحة: الأحزاب لا تُنتج سوى الصراعات، والانتخابات تستنزف الموارد، والبرلمانات تتحول إلى ساحات للمشاحنات العقيمة، والسياسة تستقطب الانتهازيين والمتلاعبين. فلماذا لا نتجاوز كل هذا؟ لماذا لا نعهد بمصير البلاد إلى رجل قوي، نزيه، مخلص، قادر على اتخاذ القرارات دون عراقيل ولا وسطاء؟
إنها فكرة مغرية لأنها تخاطب التعب والإحباط قبل أن تخاطب العقل. غير أنها في نهاية المطاف ليست حلاً، بل هروباً من المشكلة الحقيقية.
لا مجتمع بلا سياسة
الخطأ الأول في هذا التصور أنه يفترض إمكانية وجود مجتمع ينجو من السياسة.
لكن السياسة ليست اختراعاً يمكن نبذه متى شئنا، ولا مؤسسة يمكن إغلاق أبوابها حين يسوء أداؤها. السياسة هي الطريقة التي تنظم بها المجتمعات شؤونها المشتركة. من يقرر توزيع الثروة؟ من يحدد أولويات الإنفاق العام؟ من يختار بين مستشفى وطريق ومدرسة؟ من يرسم حدود الضرائب والأجور والحقوق والحريات؟
كل هذه أسئلة سياسية بطبيعتها.
لهذا اعتبر أرسطو الإنسان «حيواناً سياسياً». لم يكن يقصد أن الفضيلة تستلزم العمل الحزبي، بل أن الحياة الجماعية تجعل السياسة ضرورة لا فكاك منها. فحيث يوجد مجتمع، توجد مصالح متباينة، ورؤى مختلفة، وقرارات لا بد من اتخاذها.
السؤال الحقيقي إذن ليس: هل نريد سياسة أم لا؟ بل: كيف نمارسها؟ ومن يملك حق القرار باسم الجميع؟
الخلط بين السياسة والسياسوية
ما جرى في تونس بعد الثورة أن كثيراً من المواطنين باتوا يخلطون بين السياسة والسياسوية.
لقد شاهدوا أحزاباً تتصارع على المواقع أكثر مما تتنافس على البرامج، وبرلماناً غلبت عليه المزايدات والخصومات الشخصية، ووعوداً انتخابية تتبخر بمجرد الوصول إلى السلطة. وكان من الطبيعي أن تتداعى الثقة في الطبقة السياسية.
لكن الخطأ كان في القفز من رفض بعض الممارسات إلى رفض السياسة في جوهرها.
فشل الأطباء لا يعني الاستغناء عن الطب، وفساد بعض القضاة لا يبرر إلغاء القضاء، وإخفاق بعض الصحفيين لا يستدعي الاستغناء عن الصحافة. والأمر سواء بالنسبة إلى السياسة: المشكلة ليست في وجودها، بل في رداءة ممارستها.
الإفلاس السياسي: درس في ذاته
غير أن ثمة ما يجب قوله بوضوح: إفلاس الحياة السياسية في تونس لم يكن حادثة عرضية، بل كان في جوهره نتيجة حتمية لإفلاس المؤسسات وهشاشة بنيانها. أحزاب نشأت دون تقاليد راسخة، وبرلمان لم تترسخ أعرافه، وقضاء لم يكتمل استقلاله، وإدارة لم تتحرر من إرث الولاء — كل ذلك أنتج سياسة بلا عمق، ومنافسة بلا قواعد، وتداولاً للسلطة بلا ضمانات.
والخطأ القاتل هو أن يُقرأ هذا الإفلاس دليلاً على فشل الديمقراطية، لا على نقص مقوماتها. فالمؤسسات الهشة لا تُثبت أن الديمقراطية وهم، بل تُثبت أنها مشروع يحتاج إلى بناء صبور ومتراكم. وما شهدته تونس لم يكن فائضاً من السياسة، بل كان سياسة في غياب مؤسساتها الحاملة.
من هنا، فإن الأولوية القصوى ليست في تبسيط المشهد بتسليم السلطة لفرد يُعفي المجتمع من عبء التعقيد، بل في تعقيد البنى المؤسسية وتمتينها: قضاء مستقل فعلاً، وهيئات رقابية ذات سلطة حقيقية، وأحزاب تبني برامج لا زبائن، وصحافة تحاسب لا تُزيّن. هذا هو الدرس الذي علّمه التاريخ من كل تجربة تحول ديمقراطي نجحت أو أخفقت: المؤسسات ليست زينة الديمقراطية، بل شرط وجودها.
الوعد الشعبوي: رجل واحد بدل أمة كاملة
هنا بالتحديد تجد الشعبوية أرضها الخصبة.
إنها تقدم وعداً بسيطاً ومريحاً: استبدال تعقيد المؤسسات بوضوح القائد، والنقاشات الطويلة بقرار واحد، والتعددية بصوت فرد يدعي تمثيل الشعب كله. لماذا الأحزاب إذا كان الزعيم يعرف ما يريده الناس؟ لماذا البرلمان إذا كانت الإرادة الشعبية «واضحة»؟ لماذا الوساطات الاجتماعية والنقابية إذا كان القائد يتحدث مباشرة باسم الأمة؟
بيد أن هذا الخطاب يُخفي حقيقة جوهرية: لا أحد يستطيع أن يجسّد شعباً بأكمله. الأمة ليست شخصاً واحداً، ولا فكرة واحدة، ولا مصلحة واحدة. إنها شبكة متشعبة من المصالح والآراء والاختلافات والتطلعات. وحين يدّعي فرد احتكار تمثيلها، فإن أول ما يختفي ليس الفساد، بل التعددية.
المؤسسات لا تحمي من الأشرار فقط
كثيراً ما يُنظر إلى المؤسسات باعتبارها أدوات لحماية المجتمع من الحكام الفاسدين. لكن هذا ليس دورها الوحيد.
المؤسسات وُجدت أيضاً لحماية المجتمع من أخطاء الحكام الشرفاء.
حتى لو افترضنا قائداً نزيهاً مخلصاً صادق النية، فإنه يبقى إنساناً معرضاً للخطأ وسوء التقدير. من يراجعه حين يُخطئ؟ من يصحح قراراته؟ من يضمن ألا يأتي بعده من يستخدم السلطات ذاتها بطريقة مختلفة؟
إن الحكمة الكبرى للديمقراطية لا تقوم على افتراض سوء نية الحكام، بل على الاعتراف بأن أحداً لا يمتلك الحقيقة كاملة. لهذا وجدت الانتخابات، والفصل بين السلطات، والأحزاب، والنقابات، والصحافة الحرة. إنها ليست عوائق أمام الحكم، بل ضمانات ضد الانحراف والاستبداد.
تكلفة الديمقراطية أم تكلفة الاستبداد؟
يُقال إن الانتخابات مكلفة، وإن الأحزاب تستهلك الموارد، وإن البيروقراطية تثقل كاهل الدولة. وفي هذا قدر من الصحة. لكن السؤال الأجدى هو: ما تكلفة غياب كل ذلك؟
الانتخابات تكلف ملايين، لكن القرارات الخاطئة التي لا تجد من يراجعها قد تكلف أمة عقوداً من التنمية. النقاشات البرلمانية قد تكون مطولة ومملة، لكنها أقل ضرراً من الصمت المفروض. والأحزاب قد تضم انتهازيين، لكن السلطة المطلقة تجذب انتهازيين أشد خطورة لأنها تمنحهم صلاحيات أوسع دون أن تُخضعهم للمحاسبة.
المجتمعات لا تدفع ثمن الديمقراطية وحسب، بل تدفع أيضاً ثمن غيابها. وغالباً ما يكون الثمن الثاني أفدح.
الجزء النبيل من السياسة
وسط الضجيج اليومي وصراع المصالح، ننسى أحياناً المعنى الحقيقي للسياسة.
فهي ليست انتخابات ومقاعد ومناصب فحسب. الجزء النبيل من السياسة هو صراع الأفكار: النقاش حول المدرسة التي نريدها لأبنائنا، والمستشفى الذي يستحقه مرضانا، والاقتصاد الذي يصون كرامة المواطنين، والعدالة التي تحمي الضعفاء، والحريات التي تُكرّم الجميع.
كل ما حققته المجتمعات الحديثة من تقدم كان ثمرة هذا الجهد الجماعي الطويل: حقوق العمال، وتعميم التعليم، والضمان الاجتماعي، وحقوق المرأة، والحريات العامة. لم يمنحها رجل معجزة لشعبه. بل انتزعها المجتمع عبر النقاش والتنظيم والنضال والعمل السياسي المتراكم جيلاً بعد جيل.
تونس تحتاج إلى سياسة أفضل، لا إلى سياسة أقل
أزمة تونس ليست أزمة كثرة السياسة، بل أزمة ضعفها وتشوّه ممارستها.
ما ينقص البلاد ليس مزيداً من الصمت، بل مزيداً من الأفكار. ليس مزيداً من الطاعة، بل مزيداً من المشاركة. ليس مزيداً من تركيز السلطة، بل مزيداً من القدرة على مراقبتها ومحاسبتها.
الأمم لا تُبنى بالإجماع المصطنع، بل بإدارة الاختلاف بصورة سلمية وعقلانية. والسياسة، رغم كل عيوبها، تبقى الوسيلة الوحيدة التي ابتكرتها البشرية لتحقيق ذلك.
حين يفقد المواطنون ثقتهم في الأحزاب، يمكن إصلاح الأحزاب. وحين يفقدونها في السياسيين، يمكن تغيير السياسيين. أما حين يفقدونها في السياسة نفسها، فإنهم يفتحون الباب أمام أخطر الأوهام: وهم أن مصير أمة بأسرها يمكن أن يُختزل في إرادة رجل واحد.
السياسة ليست المشكلة.
المشكلة هي غيابها: غياب النقاش الحر، وغياب المؤسسات القادرة على تمثيل المجتمع وردع تجاوزات السلطة.
فالسياسة في معناها النبيل ليست صراعاً من أجل السلطة، بل مسؤولية جماعية تجاه المستقبل.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه التونسيون على أنفسهم ليس: كيف نتخلص من السياسة؟ بل: كيف نُعيد إليها شرفها ومعناها ودورها في خدمة الوطن؟
Laisser un commentaire