,

السيادة الوطنية والارتهان: مفارقة تونس الجديدة

في السياسة، ليست أخطر الأوهام تلك التي تُقال في صورة أكاذيب صريحة، بل تلك التي تحمل قدراً من الحقيقة، ثم تُستعمل لحجب حقيقة أخرى تناقضها.

هكذا دخلت تونس، خلال السنوات الأخيرة، زمن الشعارات الكبرى: «العشرية السوداء»، «لا رجوع إلى الوراء»، «السيادة الوطنية خط أحمر»… شعارات لامست مخاوف الناس، واستحضرت جراح الذاكرة الجماعية، وخاطبت شعوراً مشروعاً بالكرامة الوطنية.

غير أن خلف صخب هذه الشعارات، برز شعار أكثر هدوءاً وأشد أثراً: «التعويل على الذات». والمشكلة ليست في الشعار نفسه، بل في الطريقة التي استُخدم بها، إذ تحول، في كثير من الأحيان، إلى غطاء يبرر خيارات مالية يكتنفها الغموض، أو إلى ذريعة للجوء إلى مصادر تمويل لا يعرف المواطن طبيعتها ولا شروطها، وكأن الابتعاد عن المؤسسات المالية التقليدية يجعل الدين أكثر وطنية، أو يمنحه شرعية لا يملكها في ذاته.

والحال أن الدين لا يحمل هوية سياسية، والأرقام لا تعرف الشعارات، والقرض لا يصبح أقل كلفة أو أكثر رحمة لمجرد أنه جاء من باب مختلف.

وتكشف الأرقام حجم التحول الذي عرفته المالية العمومية. فقد ارتفع الدين العام من نحو 68% من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2019 إلى قرابة 84.9% سنة 2024، في حين تضخم الدين الداخلي حتى أصبح الركيزة الأساسية لتمويل الدولة (من 29.7% إلى 53.8% من إجمالي الدين)، مع تضاؤل إمكانيات الاقتراض الخارجي. وعندما تُترجم هذه الأرقام إلى لغة المواطن، فإن الدين العمومي، الذي بلغ 135 مليار دينار في موفى 2024، ويناهز 147 ملياراً مع نهاية 2025، يعني أن نصيب كل تونسي يتجاوز اثني عشر ألف دينار. وهي أرقام تستوجب نقاشاً وطنياً هادئاً وصريحاً، لا مزايدات سياسية ولا شعارات تعبئة.

وتكشف ميزانية سنة 2025، التي تجاوزتها تقديرات 2026 و2027 دون خروج جوهري عن المنحى، عمق الاختلالات التي تعيشها المالية العمومية. ففي سنة 2025، بلغت كتلة الأجور 24.389 مليار دينار، في حين ارتفعت خدمة الدين إلى 24.690 مليار دينار، ليتقارب الرقمان لأول مرة تقريباً. وفي ميزانية 2026، تُقدر كتلة الأجور بـ 25.267 ملياراً، بينما تنخفض خدمة الدين قليلاً إلى 23.057 ملياراً، وهو ما لا يغير من واقع أن الاستثمار، المحرك الحقيقي للنمو وخلق الثروة وفرص العمل، ظل في مستويات متواضعة لا تتناسب مع حجم التحديات (حيث تراجع معدل الاستثمار إلى 11.2% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024).

عندما يصبح السؤال تهمة

غير أن الإشكال لم يكن ماليّاً فحسب، بل سياسيّاً أيضاً. فقد تحولت بعض الشعارات إلى جدار يحول دون النقاش، ويضيق مساحة المساءلة. وأصبح السؤال عن مصادر القروض، أو كلفتها، أو شروطها، يُقدَّم أحياناً وكأنه تشكيك في الوطنية أو مساس بالسيادة. واختُزل النقاش العام في معادلة مبسطة: إما أن تكون مع «المشروع»، وإما أن تُصنَّف ضمن خصوم الوطن.

وفي مثل هذا المناخ، يتراجع صوت الخبرة أمام الخطاب التعبوي، ويُدار الاقتصاد بمنطق المعارك السياسية لا بمنطق الأرقام والحسابات. غير أن الدول لا تُبنى بالشعارات، بل بقدرتها على اتخاذ قرارات عقلانية، حتى وإن كانت مؤلمة، وبحرصها على ألا ترحل أعباء الحاضر إلى كاهل الأجيال القادمة.

من وهم التحرر إلى خطر الارتهان

تعيش تونس اليوم مفارقة مؤلمة. فالديون تتزايد، وهوامش التحرك المالي تضيق، والاستثمار يتراجع، والاقتصاد لم يجد بعد طريقه إلى نمو مستدام. وما يزيد الأمر تعقيداً أن جزءاً كبيراً من القروض لا يوجه إلى الاستثمار المنتج، بل يُستهلك في تغطية العجز وتمويل النفقات الجارية، بما يجعل الدولة تستدين لتواصل الإنفاق، لا لتبني المستقبل.

والأخطر من ذلك أن اللجوء إلى جهات تمويل لا تُعرف طبيعة التزاماتها ولا تخضع شروطها للنقاش العمومي، قد يفتح باباً جديداً من أبواب الارتهان. فالسيادة لا تُمس فقط عندما تقبل الدولة شروط مؤسسة مالية دولية معروفة، بل قد تُصبح أكثر هشاشة عندما تعتمد على مقرض لا يعلم الرأي العام شيئاً عن التزاماته أو كلفة تمويله. فالوصاية لا يتغير جوهرها بتغير اسم من يمارسها.

وفي المقابل، يؤدي التوسع في الاقتراض الداخلي إلى مزاحمة القطاع الخاص على مصادر التمويل، فتتقلص السيولة المتاحة للمؤسسات، وخاصة الصغرى والمتوسطة، وتتراجع قدرتها على الاستثمار والتشغيل. كما تتعطل الإصلاحات البنكية والإدارية، وتفقد كثيراً من فعاليتها، فيتراجع مناخ الأعمال، وتتدهور جودة الخدمات العمومية، وتتقلص قدرة الاقتصاد على خلق الثروة.

السيادة ليست في اختيار الدائن

ثمة وهم سياسي خطير مؤداه أن مجرد رفض جهة تمويل معينة يمثل انتصاراً للكرامة الوطنية. لكن الكرامة لا تتحقق بتغيير الدائن، وإنما ببناء دولة لا تضطر أصلًا إلى البحث الدائم عن من يقرضها. فالدولة القوية ليست تلك التي تغلق أبوابها في وجه العالم، وإنما تلك التي تدخل علاقاتها الدولية من موقع قوة، وتتفاوض بثقة لأنها تملك اقتصاداً منتجاً ومالية عمومية متوازنة ومؤسسات ذات مصداقية.

أما الدولة التي يعاني اقتصادها من ضعف الإنتاج، وتراجع الاستثمار، واستمرار الفساد، فإنها لا تستعيد سيادتها بتغيير مصدر ديونها، لأن السيادة تبدأ من الداخل، بالإصلاح، لا بصناعة خصوم في الخارج.

المستقبل لا يُبنى بالشعارات

لقد دفعت تونس ثمناً باهظاً لسنوات من الانقسام السياسي، ومن الوعود التي تجاوزت إمكانات الدولة. واليوم، وفي ظل انتظار تحوير وزاري جديد، تبدو البلاد في حاجة إلى شجاعة من نوع آخر: شجاعة الاعتراف بأن إنقاذ الاقتصاد لا يتحقق بتبديل الشعارات، بل بإصلاح المؤسسات، واعتماد سياسة تقشف ذكية وعادلة، ترشد نفقات التسيير، وتربط الأجر بالإنتاجية، وتوجه الموارد نحو الاستثمار، مع رقمنة الإدارة، وتعزيز الشفافية، وتكريس المساءلة.

فلا يكفي أن نرفع شعار «التعويل على الذات» إذا كانت هذه الذات منهكة بالديون، وضعيفة الإنتاج، ومحدودة القدرة على خلق الثروة. فالحرية لا تعني الاختيار بين وصايات مختلفة، بل التحرر من الحاجة إلى الوصاية أصلًا. والكرامة لا تتحقق برفض هذا المقرض أو ذاك، وإنما بأن تصبح تونس قادرة على تمويل مستقبلها بفضل اقتصاد منتج، ومؤسسات قوية، وثقة مواطنيها.

أما رهن مستقبل البلاد بديون لا يعرف المواطن تفاصيلها، مهما أُحيطت بخطاب وطني أو رُفعت باسم السيادة، فليس انتصاراً للاستقلال الوطني، بل قد يكون شكلاً جديداً من أشكال الارتهان، وثمنه لن يدفعه من اتخذ القرار، بل الأجيال التي لم تُستشر فيه.

Laisser un commentaire

Comments (

0

)