حين تصبح المؤامرة جوابًا جاهزًا
زيارات فجئية ليلية، الواحدة تلو الأخرى. والنتيجة؟ صفر. الكوارث تتكرر، والخدمات تتدهور، والآتي يبدو أتعس.
والخطاب نفسه يتكرر منذ سنوات، حتى فقد قدرته على الإقناع: كل أزمة مؤامرة، كل احتجاج محاولة لتأجيج الأوضاع، كل نقص متعمد، وكل من ينتقد السلطة متآمر أو متربص أو صاحب حسابات أو «ارتماء في أحضان الخارج». وتتكرر الشتائم أيضًا: خونة، جراثيم، أهل ردة…
المشكلة أن هذه لم تعد حججًا، ولم تعد مقنعة. ليس لأنها مستحيلة، بل لأن تكرارها دون أدلة أفقدها قيمتها. والأسوأ أنها أصبحت طريقة للهروب من السؤال الأصعب: من يتحمل مسؤولية ما يحدث؟
أولًا: زيارة مصنع لا تحل أزمة المياه.
بالأمس، زيارة مصنع للمياه المعدنية والاطلاع على صعوبات التوزيع قد تكون أمرًا طبيعيًا، لكنها لا تجيب عن السؤال الأساسي: لماذا أصبحت البلاد عاجزة عن ضمان أبسط الخدمات؟
أزمة المياه ليست وليدة أمس. وشح الموارد معروف منذ سنوات. المطلوب سياسة مائية، وصيانة، واستثمار، وتخطيط، لا زيارات ميدانية كلما اشتدت الأزمة.
ثانيًا: وجود تخريب لا يثبت وجود مؤامرة سياسية.
إذا ثبت أن أشخاصًا قطعوا أنابيب المياه أو أسلاك الكهرباء، فليُقبض عليهم وليُحالوا على القضاء. أما الانتقال من «تم توثيق التخريب» إلى «الهدف هو تأجيج الأوضاع» ثم إلى «المصدر معلوم»، فهو استنتاج سياسي يحتاج إلى دليل.
أين الأسماء؟ أين الملفات؟ أين التحقيقات؟ أين الأحكام؟
في دولة القانون، لا تصبح المؤامرة حقيقة بمجرد الإعلان عنها.
ثالثًا: 80 ألف قارورة ماء مخفية لا تكشف مؤامرة.
إذا كان هناك من أخفى المياه للمضاربة، فهذه مخالفة تستوجب المحاسبة. لكن تحويل اكتشاف مستودع إلى دليل على مؤامرة وطنية أمر آخر تمامًا.
من فعل ذلك؟ لماذا؟ ومن المستفيد؟ دعوا القضاء يجيب.
رابعًا: المحاسبة ليست شعارًا.
نعم، من حق التونسيين المطالبة بالمحاسبة. لكن المحاسبة لا تعني محاسبة الماضي فقط. من حق المواطن أيضًا أن يسأل: من يتحمل مسؤولية الأزمات الحالية؟ من يدير الماء والكهرباء والاقتصاد؟ ومن يحاسب المسؤول عندما تفشل الدولة في توفير الخدمات؟
المحاسبة التي لا تشمل الحاضر ليست محاسبة كاملة.
خامسًا: المواطن الغاضب ليس متآمرًا.
من ينقطع عنه الماء في حر أغسطس، أو يجد صعوبة في الحصول على الكهرباء أو حاجياته الأساسية، لا يحتاج إلى درس في الوطنية. يحتاج إلى خدمة عمومية تعمل.
والقول إن كل احتجاج هدفه «تأجيج الأوضاع» يسيء إلى المواطن قبل أن يسيء إلى خصوم السلطة.
سادسًا: «المسار الذي خطه الشعب» ليس شيكًا على بياض.
وحتى لو افترضنا أن هذا المسار عبّر فعلًا عن إرادة الشعب، فإن الإرادة الشعبية لا تمنح تفويضًا أبديًا ولا تعفي أحدًا من المحاسبة.
من حق الشعب أن يسأل عن النتائج: هل تحسنت الخدمات؟ هل تحسن الاقتصاد؟ هل تراجعت الهجرة؟ هل أصبحت مؤسسات الدولة أكثر كفاءة؟ هل تحسنت حياة الناس؟
هذه هي الأسئلة التي لا تجيب عنها الشعارات.
لقد أصبحت «المؤامرة» جوابًا جاهزًا لكل شيء. لكن كثرة استعمالها لا تجعلها حقيقة.
المؤامرة، إذا كانت موجودة، تحتاج إلى دليل. الفساد يحتاج إلى كشف. والفشل يحتاج إلى اعتراف ومسؤولية.
أما أن تكون كل أزمة من صنع الآخرين، وكل احتجاج مؤامرة، وكل نقد خيانة، فهذه ليست إدارة للأزمة، بل هروب من المحاسبة باسم المؤامرة.
والسؤال الذي سيبقى، مهما تكررت الزيارات والخطب والاتهامات:
من يتحمل مسؤولية ما يحدث اليوم؟
Laisser un commentaire